اقتصاد

اقتصاد اليمن: تحديات التعافي وأثر الانقسام المالي والحرب

يواجه اقتصاد اليمن أزمة مركبة تعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يعيش حالة من التعافي الهش الذي تصطدم محاولاته بجدار الأزمات المتلاحقة الناتجة عن استمرار الحرب والانقسامات السياسية العميقة. لم يعد المشهد الاقتصادي في اليمن مجرد انعكاس لظروف حرب تقليدية، بل تحول إلى ساحة صراع موازية تستخدم فيها الأدوات المالية والنقدية كأوراق ضغط، مما فاقم من معاناة الملايين وأدى إلى تآكل البنية الاقتصادية للدولة.

خلفية الأزمة: جذور الصراع والانقسام المالي

لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب العودة إلى السياق التاريخي الذي بدأ مع تصاعد النزاع في أواخر عام 2014 وتدخل التحالف العربي في عام 2015. قبل الحرب، كان اليمن يعاني بالفعل من تحديات تنموية، إلا أن الصراع المسلح أدى إلى توقف شبه كامل للأنشطة الاقتصادية الحيوية وتدمير البنية التحتية. وكانت نقطة التحول الأخطر اقتصادياً هي قرار نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن في عام 2016، مما أدى فعلياً إلى انقسام المؤسسة المالية السيادية إلى كيانين متنافسين، يتبع كل منهما سلطة مختلفة، ويطبق سياسات نقدية متضاربة.

حرب العملة وتأثيرها على الأسواق

لعل أخطر ما يواجه اقتصاد اليمن اليوم هو وجود سياستين نقديتين وعملتين مختلفتين في القيمة لنفس الدولة. أدى هذا الانقسام إلى تباين هائل في أسعار الصرف بين مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً ومناطق سيطرة الحوثيين، مما خلق رسوماً باهظة على التحويلات المالية الداخلية وعرقل حركة التجارة بين المحافظات. وقد تسبب هذا التشظي المالي في تضخم جامح، خاصة في المناطق المحررة، حيث فقدت العملة المحلية جزءاً كبيراً من قيمتها، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية المستوردة التي يعتمد عليها اليمن بنسبة تتجاوز 90%.

توقف الصادرات النفطية وتفاقم العجز

زادت حدة الأزمة الاقتصادية مع توقف صادرات النفط والغاز، التي كانت تشكل الرافد الأساسي للموازنة العامة للدولة ومصدراً رئيسياً للعملة الصعبة. الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير في المحافظات الشرقية حرمت الحكومة من إيرادات حيوية، مما ضاعف من العجز في الميزانية وقلص قدرة الدولة على دفع رواتب الموظفين في القطاع العام وتوفير الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه.

التأثيرات الإنسانية والمعيشية

تنعكس هذه المؤشرات الاقتصادية الكلية بشكل مباشر ومأساوي على حياة المواطن اليمني. وفقاً لتقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي، يعيش غالبية السكان تحت خط الفقر، ويواجه الملايين انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. إن التعافي الاقتصادي المنشود لا يمكن أن يتحقق عبر حلول ترقيعية أو مساعدات إنسانية مؤقتة فحسب، بل يتطلب حلاً سياسياً شاملاً يوحد المؤسسات المالية، ويستأنف تصدير الموارد الطبيعية، ويعيد دمج الدورة الاقتصادية للبلاد لضمان استقرار مستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى