
تصعيد حوثي لإخضاع الجامعات اليمنية آيديولوجياً ومالياً
تشهد الساحة اليمنية تصعيداً حوثياً جديداً يهدف إلى إحكام السيطرة الشاملة على مؤسسات التعليم العالي، في خطوة تسعى لإخضاع الجامعات اليمنية آيديولوجياً ومالياً. يأتي هذا التصعيد ضمن استراتيجية ممنهجة تتبعها جماعة الحوثي منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء في أواخر عام 2014، حيث وضعت قطاع التعليم في مقدمة أهدافها لتغيير هوية المجتمع اليمني وتطويعه بما يخدم أجندتها السياسية والطائفية.
السياق التاريخي لاستهداف الجامعات اليمنية
منذ الانقلاب الحوثي، تعرضت الجامعات الحكومية والخاصة في مناطق سيطرة الجماعة لعمليات تجريف واسعة. بدأت هذه العمليات بإقصاء الكوادر الأكاديمية المستقلة والمعارضة، وإحلال عناصر موالية للجماعة في المناصب القيادية والإدارية، وصولاً إلى رئاسة الجامعات وعمادات الكليات. ولم يقتصر الأمر على التغييرات الإدارية، بل امتد ليشمل قمع الحريات الأكاديمية، واعتقال العديد من الأساتذة والطلاب الذين عبروا عن رفضهم لهذه السياسات التعسفية، مما أدى إلى هجرة جماعية للعقول اليمنية والكفاءات العلمية إلى خارج البلاد بحثاً عن بيئة آمنة وحرة.
الإخضاع الآيديولوجي وتغيير المناهج
على المستوى الآيديولوجي، تفرض الميليشيات الحوثية قيوداً صارمة على الحياة الجامعية. فقد تم إقرار مقررات دراسية جديدة تتضمن في طياتها ترويجاً صريحاً لأفكار الجماعة وملازم مؤسسها. كما تُجبر الجامعات على إقامة فعاليات طائفية وسياسية بشكل مستمر، وتلزم الطلاب والأكاديميين بحضور دورات ثقافية مغلقة. علاوة على ذلك، فرضت الجماعة سياسات الفصل بين الجنسين في القاعات الدراسية ومشاريع التخرج، ووضعت لوائح صارمة تتعلق باللباس والمظهر، مما يعكس توجهاً لتحويل الجامعات من منابر للتنوير إلى معسكرات للتعبئة الفكرية.
الاستغلال المالي وابتزاز الطلاب
أما على الصعيد المالي، فقد حولت جماعة الحوثي الجامعات اليمنية إلى مصادر إيرادية ضخمة لتمويل مجهودها الحربي وإثراء قياداتها. ورغم انقطاع رواتب الأكاديميين والموظفين منذ عام 2016، ضاعفت الجماعة من الرسوم الدراسية، خاصة في برامج التعليم الموازي والنفقة الخاصة. كما فرضت رسوماً غير قانونية تحت مسميات مختلفة مثل دعم الأنشطة أو المساهمة المجتمعية. هذا العبء المالي أثقل كاهل الأسر اليمنية التي تعاني أصلاً من أزمة إنسانية واقتصادية خانقة، مما أجبر آلاف الطلاب على ترك مقاعد الدراسة والتخلي عن أحلامهم الأكاديمية.
التأثيرات المحلية والإقليمية والدولية
يحمل هذا التصعيد الحوثي تداعيات كارثية على مختلف الأصعدة. محلياً، يؤدي تدمير استقلالية الجامعات إلى تراجع حاد في جودة التعليم ومخرجاته، مما يهدد مستقبل أجيال كاملة من اليمنيين ويحرم البلاد من الكوادر المؤهلة اللازمة لإعادة الإعمار والتنمية. إقليمياً ودولياً، يثير هذا الوضع قلقاً بالغاً، حيث أن تحويل المؤسسات التعليمية إلى حواضن للتطرف والتعبئة العسكرية ينذر بخلق بؤر توتر جديدة تهدد استقرار المنطقة بأسرها. كما أن تسييس التعليم أدى إلى تراجع تصنيف الجامعات اليمنية عالمياً، وفقدان الثقة الإقليمية والدولية بالشهادات الصادرة عنها، مما يعزل اليمن أكاديمياً وعلمياً عن العالم.
خلاصة
إن استمرار الميليشيات الحوثية في سياستها الرامية لإخضاع الجامعات اليمنية آيديولوجياً ومالياً يمثل جريمة بحق التعليم ومستقبل اليمن. يتطلب هذا الوضع تدخلاً عاجلاً من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والتعليمية للضغط على الجماعة لتحييد المؤسسات التعليمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، وضمان حق الشباب اليمني في الحصول على تعليم حر ومستقل بعيداً عن أي إملاءات طائفية أو استغلال مادي.



