
مبعوث ترامب يزور جرينلاند: أبعاد اقتصادية واستراتيجية
زيارة تاريخية لتعزيز النفوذ الأمريكي في القطب الشمالي
وصل المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جيف لاندري، الذي يشغل أيضاً منصب حاكم ولاية لويزيانا، إلى جزيرة جرينلاند القطبية يوم الأحد في زيارة رسمية تستغرق عدة أيام. وتعد هذه الزيارة الأولى من نوعها للمبعوث الأمريكي إلى الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي منذ تعيينه في هذا المنصب أواخر شهر ديسمبر الماضي. وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي واشنطن لتعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في منطقة القطب الشمالي ذات الأهمية الاستراتيجية المتزايدة.
السياق التاريخي والأهمية الاستراتيجية لجرينلاند
لا يعتبر الاهتمام الأمريكي بجزيرة جرينلاند وليد اللحظة، بل يمتد لعقود طويلة تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان شراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار، نظراً لموقعها الجيوسياسي الحساس. وتستضيف جرينلاند حالياً قاعدة “ثول” الجوية الأمريكية (التي أُعيد تسميتها بقاعدة بيتوفيك الفضائية)، وهي أقصى قاعدة عسكرية أمريكية في شمال الكرة الأرضية، وتلعب دوراً حيوياً في أنظمة الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية ومراقبة الفضاء.
التنافس الدولي والموارد الطبيعية
تكتسب جرينلاند أهمية مضاعفة في الوقت الراهن بسبب التغير المناخي الذي أدى إلى ذوبان الجليد، مما يسهل الوصول إلى ثرواتها الطبيعية الهائلة. تزخر الجزيرة باحتياطيات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة، وهي عناصر أساسية في صناعة التكنولوجيا الحديثة والأسلحة المتطورة. ولهذا السبب، يرى ترامب والإدارة الأمريكية أن تعزيز العلاقات مع جرينلاند يمثل ضرورة قصوى للأمن القومي الأمريكي، محذرين من أن أي تراجع في النفوذ الأمريكي قد يفتح الباب أمام قوى منافسة مثل الصين، التي تسعى للاستثمار في البنية التحتية والتعدين هناك، أو روسيا التي تواصل عسكرة منطقة القطب الشمالي.
منتدى “مستقبل جرينلاند” والفرص الاقتصادية
من المقرر أن يشارك المبعوث جيف لاندري في فعاليات المنتدى الاقتصادي “مستقبل جرينلاند” الذي يُعقد في العاصمة نوك يومي الثلاثاء والأربعاء. يجمع هذا الحدث البارز نخبة من المستثمرين، والسياسيين، وقادة الأعمال من مختلف أنحاء العالم، بهدف استكشاف وتشجيع فرص الاستثمار في المنطقة. ووفقاً لبيان صادر عن السفارة الأمريكية، سينضم السفير الأمريكي لدى الدنمارك إلى الوفد، حيث سيعقدان سلسلة من الاجتماعات مع شريحة واسعة من السكان المحليين. تهدف هذه اللقاءات إلى الاستماع لمطالبهم، وتوسيع آفاق الفرص الاقتصادية المشتركة، وزيادة مستوى التفاهم المتبادل بين الولايات المتحدة وجرينلاند.
تجاوز التوترات الدبلوماسية السابقة
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في أعقاب فترة من التوتر الذي ساد العلاقات بين واشنطن وكوبنهاغن، إثر تصريحات ترامب المتكررة حول رغبته في شراء الإقليم الدنماركي، وهو ما أثار حفيظة الأوساط السياسية في جرينلاند والدنمارك وعموم أوروبا الغربية. ومع ذلك، شهد شهر يناير الماضي تراجعاً من قبل ترامب عن تهديداته بضم الجزيرة، مما مهد الطريق لعقد اجتماعات ثنائية في واشنطن لتنقية الأجواء. وفي هذا السياق، صرح رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، بأن المحادثات الثلاثية بين الإقليم والدنمارك والولايات المتحدة مستمرة، ورغم إحراز بعض التقدم الملموس، إلا أنها لم تفضِ بعد إلى اتفاق نهائي شامل يرضي جميع الأطراف.



