اقتصاد

أثر الذكاء الاصطناعي على مخاطر التضخم: تحذير من صندوق النقد

في خضم التسارع العالمي للاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي، أصدر صندوق النقد الدولي تحذيراً اقتصادياً لافتاً، يربط فيه بشكل مباشر بين الطفرة التكنولوجية الحالية وتصاعد مخاطر التضخم على المستوى العالمي. ويقدم كبير الاقتصاديين في الصندوق، بيير أوليفييه غورينشا، رؤية معمقة تتجاوز التأثيرات التقليدية للتقنية على الإنتاجية، لتركز على كيفية تغييرها لسلوك المستهلكين وتوقعاتهم الاقتصادية.

يأتي هذا التحذير في وقت حساس للغاية للاقتصاد العالمي، الذي لا يزال يتعافى من موجة تضخمية هي الأعلى منذ عقود، والتي أعقبت جائحة كوفيد-19. فبينما كانت البنوك المركزية الكبرى، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، تحاول كبح جماح الأسعار عبر سياسات نقدية متشددة، برز الذكاء الاصطناعي كمتغير جديد قد يعقد هذه المهمة. فمنذ إطلاق نماذج مثل ChatGPT في أواخر عام 2022، شهد العالم سباقاً استثمارياً محموماً، ضخ مليارات الدولارات في شركات التكنولوجيا، مما أدى إلى ارتفاعات قياسية في أسواق الأسهم.

كيف يغذي الذكاء الاصطناعي “أثر الثروة” ويزيد من مخاطر التضخم؟

يرى غورينشا أن الذكاء الاصطناعي أصبح محركاً غير مباشر للتضخم من خلال آلية تُعرف بـ “أثر الثروة” (Wealth Effect). وتتمثل هذه الظاهرة في أن الارتفاع الكبير في تقييمات شركات التكنولوجيا، خصوصاً في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، قد عزز شعور المستثمرين والمستهلكين بالثراء. هذا الشعور المتزايد بالثقة المالية يدفعهم إلى زيادة إنفاقهم على السلع والخدمات، مثل السفر، والعقارات، والمشتريات الكبيرة، مما يخلق ضغطاً تصاعدياً على الطلب الكلي في الاقتصاد.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن هذا الارتفاع في الطلب يضيف طبقة جديدة من الضغوط التضخمية التي لم تكن في الحسبان. ومع استمرار صعود أسهم شركات التقنية، يتضخم تأثيرها على مدخرات التقاعد والمحافظ الاستثمارية لملايين الأفراد، مما يغذي دورة الإنفاق هذه ويجعل السيطرة على التضخم أكثر صعوبة على صانعي السياسات النقدية.

ضغوط مزدوجة: من جانب العرض والطلب

يشير غورينشا إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على جانب الطلب فقط، بل يمتد ليشمل جانب العرض أيضاً. فالسباق المحموم لبناء بنية تحتية قادرة على تشغيل النماذج اللغوية المتقدمة أدى إلى اختناقات في سلاسل إمداد المكونات الحيوية، مثل رقائق أشباه الموصلات عالية الأداء ووحدات الذاكرة. هذا الطلب الهائل أدى إلى ارتفاع تكاليف هذه المكونات، وهو ما بدأت شركات كبرى مثل “آبل” و”مايكروسوفت” بنقله إلى المستهلك النهائي عبر زيادة أسعار منتجاتها وخدماتها.

تحديات عالمية متزامنة تزيد من تعقيد المشهد

ومع اقتراب نهاية ولايته في صندوق النقد الدولي، يلفت غورينشا الانتباه إلى أن ذاكرة التضخم المرتفع الأخيرة لا تزال حية في أذهان المستهلكين، مما يجعلهم أكثر حساسية لأي زيادات جديدة في الأسعار. كما حذر من مخاطر أخرى متزامنة تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، أبرزها احتمالية حدوث اضطرابات في أسواق الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تفاقم الضغوط المالية على الدول التي تعاني من ديون مرتفعة ونمو اقتصادي بطيء، مما يحد من قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية الجديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى