العالم العربي

منع التبرج في الإدارات العامة السورية يثير الجدل

أثار قرار منع التبرج والتشدد في الالتزام باللباس الرسمي داخل الإدارات العامة والمؤسسات الحكومية في سوريا موجة واسعة من الجدل والنقاشات الحادة على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط المحلية. ويأتي هذا الجدل عقب صدور تعاميم إدارية في فترات متقاربة، لا سيما من وزارة التربية وجهات حكومية أخرى، تنص على ضرورة التزام الموظفات والموظفين بمظهر لائق ينسجم مع هيبة الوظيفة العامة، متضمنة منع المبالغة في الزينة أو ارتداء ملابس لا تتوافق مع المعايير الوظيفية.

سياق القرار ومبرراته الرسمية

تستند الجهات الرسمية في إصدار هذه التعاميم إلى القوانين والأنظمة الداخلية التي تحكم الوظيفة العامة في سوريا، والتي تشترط عادةً الحفاظ على المظهر العام واحترام مكانة المؤسسة الحكومية. وترى الإدارات أن المبالغة في التبرج أو ارتداء ملابس غير رسمية قد يخل بصورة الموظف الحكومي أمام المراجعين، ويؤثر سلباً على البيئة المهنية. وعادة ما تتضمن هذه التوجيهات منع الملابس الضيقة جداً، أو القصيرة، بالإضافة إلى منع استخدام مساحيق التجميل بشكل لافت للنظر، وذلك في محاولة لتوحيد النسق العام وضبط السلوك الوظيفي.

انقسام الشارع السوري بين مؤيد ومعارض

أحدثت هذه التوجيهات انقساماً ملحوظاً في الشارع السوري. فمن جهة، رحب قطاع من المواطنين بهذه القرارات، معتبرين أن المؤسسات الحكومية، وخاصة التعليمية منها، يجب أن تكون قدوة في الانضباط والابتعاد عن المظاهر الاستعراضية التي لا تليق بقدسية العمل والتعليم. ويرى هؤلاء أن الالتزام باللباس المحتشم والرسمي يعزز من هيبة الدولة ويقلل من الفوارق المظهرية بين الموظفين.

في المقابل، واجه القرار انتقادات لاذعة من شريحة واسعة، رأت فيه تعدياً على الحريات الشخصية وتدخلاً في خيارات الأفراد، طالما أن اللباس لا يخدش الحياء العام. وركزت الانتقادات بشكل أساسي على توقيت هذه القرارات وأولوياتها.

البعد الاقتصادي والواقع المعيشي

لا يمكن فصل هذا الجدل عن السياق الاقتصادي الخانق الذي تعيشه سوريا. فقد أشار العديد من المنتقدين إلى أن التركيز على هندام الموظفين يأتي في وقت يعاني فيه الموظف الحكومي من تدني الرواتب التي بالكاد تغطي تكاليف المواصلات، ناهيك عن تأمين الاحتياجات الأساسية. ويرى هؤلاء أن الأولوية يجب أن تكون لتحسين الواقع المعيشي للموظفين، ومكافحة الفساد الإداري، وتأمين بيئة عمل مناسبة تتوفر فيها الكهرباء والتدفئة، بدلاً من الانشغال بتفاصيل شكلية قد تزيد من الأعباء النفسية والمادية على الموظف الذي قد لا يملك القدرة المالية لشراء ملابس جديدة تتوافق مع المعايير الصارمة.

الخلفية الاجتماعية والتاريخية

تاريخياً، تميز المجتمع السوري بتنوعه الثقافي والاجتماعي، وكانت المؤسسات الحكومية تضم خليطاً متنوعاً يعكس هذا النسيج. ورغم أن سوريا دولة علمانية في دستورها، إلا أن العادات والتقاليد المحافظة تلعب دوراً كبيراً في الحياة العامة. ويعكس هذا الجدل الحالي صراعاً خفياً بين الرغبة في الحفاظ على الطابع المدني للدولة وبين التوجهات المحافظة التي قد تزداد في أوقات الأزمات، مما يجعل من قضية اللباس والتبرج مؤشراً على تحولات اجتماعية أعمق تجري في البلاد بعد سنوات الحرب الطويلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى