
المسعى في المسجد الحرام: خدمات متكاملة وتوسعات تاريخية
يُعد المسعى في المسجد الحرام أحد أبرز المعالم الإيمانية التي تتجه إليها أنظار المسلمين من كافة أصقاع الأرض، حيث يمثل رمزاً للتعبد والتذلل لله عز وجل، وشاهداً حياً على عناية المملكة العربية السعودية الفائقة بخدمة قاصدي بيت الله الحرام. وفي هذا المكان الطاهر، يؤدي ضيوف الرحمن شعيرة السعي بين الصفا والمروة وسط أجواء مفعمة بالروحانية، تحفها السكينة والوقار، وتدعمها منظومة تشغيلية متكاملة تضمن أعلى معايير السلامة والراحة.
جذور تاريخية وتوسعات معمارية رائدة
لا يقتصر المسعى على كونه ممراً للمشاة، بل هو تجسيد لقصة تاريخية خالدة بدأت بسعي السيدة هاجر -عليها السلام- بحثاً عن الماء لرضيعها إسماعيل -عليه السلام-. وقد مر المسعى عبر التاريخ بمراحل تطويرية عديدة، بدءاً من كونه مسيلاً في وادٍ، وصولاً إلى العهد السعودي الزاهر الذي شهد قفزات نوعية في عمارة الحرمين الشريفين. فقد شهد المسعى توسعات كبرى زادت من عرضه ومساحته الإجمالية، وتم تحويله إلى مبنى متعدد الطوابق لاستيعاب الأعداد المليونية المتزايدة من الحجاج والمعتمرين، مما يعكس حرص القيادة الرشيدة على تذليل كافة الصعاب أمام ضيوف الرحمن.
مواصفات هندسية وخدمات ذكية
يمتد المسعى على مسافة تقدر بنحو 394 متراً بين جبلي الصفا والمروة، ويقطع فيه الساعي سبعة أشواط في بيئة مكيفة بالكامل، ومزودة بأحدث أنظمة الإضاءة والتهوية. وقد تم تزويد المبنى بأرضيات رخامية فاخرة تضمن برودة المكان، بالإضافة إلى لوحات إرشادية ذكية بعدة لغات عالمية لتوجيه الزوار. ولم تغفل الرئاسة جانب الخدمات الإنسانية، حيث خصصت مسارات آمنة ومستقلة لكبار السن وذوي الإعاقة، ووفرت أسطولاً ضخماً من العربات الكهربائية واليدوية المجانية التي تسهم في تيسير أداء النسك بكل يسر وطمأنينة.
إدارة الحشود والأثر الاستراتيجي
تُسند عمليات إدارة الحشود داخل المسعى إلى خطط تشغيلية دقيقة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة في رصد الكثافات البشرية وتوزيعها بشكل انسيابي، لضمان عدم التكدس، خاصة في مواسم الذروة كشهر رمضان وموسم الحج. وتعمل الفرق الميدانية التابعة للهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي على مدار الساعة لتطبيق هذه الخطط بمرونة عالية.
ويحمل هذا التطور في منظومة خدمات المسعى أبعاداً استراتيجية هامة؛ فعلى الصعيد المحلي، يساهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى استضافة 30 مليون معتمر، من خلال رفع الطاقة الاستيعابية وتحسين تجربة الزائر. أما إقليمياً ودولياً، فيعزز هذا النموذج الفريد في إدارة الحشود والخدمات اللوجستية مكانة المملكة كقائد للعالم الإسلامي وراعية للمقدسات، مقدّمةً للعالم صورة حضارية مشرقة عن تفانيها في خدمة الإسلام والمسلمين.


