اللغة العربية: حصن الهوية وجسر الحضارة في يومها العالمي

أكد نخبة من الأكاديميين والمختصين أن اللغة العربية لا تمثل مجرد وسيلة للتخاطب اليومي فحسب، بل هي الركيزة الأساسية التي تستند إليها الهوية الثقافية والحضارية للأمة، والحصن المنيع الذي يصون القيم الدينية والفكرية عبر تعاقب الأجيال. وجاءت هذه التأكيدات تزامناً مع الاحتفاء بـ اليوم العالمي للغة العربية، الذي يوافق الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، وهو التاريخ الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة اللغة العربية لغة رسمية سادسة في المنظمة عام 1973، اعترافاً بمكانتها التاريخية وتأثيرها العميق في الحضارة الإنسانية.
أهمية اللغة العربية وتأثيرها الحضاري
تكتسب اللغة العربية أهميتها الاستراتيجية من كونها لغة القرآن الكريم، مما منحها خلوداً وقدسية في نفوس المسلمين حول العالم، إضافة إلى كونها وعاءً حفظ نتاج العقل العربي والإسلامي في العلوم والفلسفة والآداب إبان العصور الذهبية، لتكون جسراً عبرت من خلاله المعارف إلى الغرب، مسهمة في النهضة الأوروبية. وفي هذا السياق، أوضح مدير مركز التميز البحثي في اللغة العربية بجامعة الملك عبدالعزيز، الأستاذ الدكتور عبدالرحمن السلمي، أن العربية تسهم في تعزيز هوية المجتمع بطرق جوهرية، فهي الذاكرة الحية التي تختزن تاريخ الأمة وتجاربها.
د عبدالرحمن السلمي
وأضاف السلمي أن اللغة تعمل كعامل توحيد قوي بين أفراد المجتمع، مانحة إياهم شعوراً مشتركاً بالانتماء، ومشيراً إلى أن الأدب العربي بفنونه المختلفة يعكس تحولات المجتمع وتطلعاته، مما يجعل اللغة مرآة صادقة للواقع والمستقبل.
الدور الريادي للمملكة العربية السعودية
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، تواصل المملكة العربية السعودية قيادة الجهود الرامية لخدمة لغة الضاد. وفي هذا الصدد، قالت عضو هيئة التدريس بجامعة الأمير سطام، الأستاذة الدكتورة مليحة محمد القحطاني، إن المملكة تقف في طليعة الدول الخادمة للعربية، انطلاقاً من مكانتها كمهبط للوحي.
د. مليحة القحطاني
وأشارت القحطاني إلى أن تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يمثل نقلة نوعية في مأسسة العمل اللغوي، حيث يعمل المجمع على إطلاق المبادرات التي تخدم اللغة في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي، ونشرها لغير الناطقين بها، فضلاً عن المنح الدراسية التي تقدمها الجامعات السعودية للطلاب الدوليين، مما يعزز من القوة الناعمة للمملكة ويرسخ حضور العربية في المحافل الدولية كاليونسكو.
تحديات العصر الرقمي والحلول
ورغم المكانة العريقة، تواجه اللغة العربية تحديات معاصرة تتطلب تكاتف الجهود. حيث أوضحت المعلمة غادة مكي الشريف أن العصر الرقمي فرض واقعاً جديداً يتمثل في هيمنة اللغات الأجنبية، وخاصة الإنجليزية، على المحتوى التقني والعلمي، مما قد يؤثر على الممارسات اللغوية للأجيال الصاعدة.
غادة الشريف
وشددت الشريف على ضرورة تعزيز المحتوى العربي الرقمي، ودعم حركات الترجمة والنشر، داعية المؤسسات التعليمية إلى ابتكار طرق إبداعية لتدريس العربية تحبب النشء فيها، ومؤكدة في رسالتها للأجيال الجديدة على أهمية التمسك بالفصحى في مختلف مجالات الحياة لضمان استمرارية هذا الإرث الحضاري العظيم.



