نصائح ذهبية للطلاب في رمضان: التوازن بين الصيام والدراسة

مع حلول شهر رمضان المبارك، يتجدد النقاش السنوي حول كيفية التوفيق بين الروحانيات والواجبات الدينية من جهة، والالتزامات الدراسية والتحصيل العلمي من جهة أخرى. ويأتي هذا الشهر الفضيل ليضع الطلاب أمام اختبار حقيقي لقدراتهم على إدارة الوقت والانضباط الذاتي، خاصة وأن التاريخ الإسلامي والعربي يزخر بنماذج تؤكد أن رمضان كان دوماً شهر عمل وإنتاج وليس شهر خمول وكسل. وتكتسب هذه القضية أهمية بالغة محلياً وإقليمياً، حيث تسعى المؤسسات التعليمية والأسر إلى توفير بيئة داعمة تضمن استمرار التفوق الدراسي دون المساس بقدسية الشهر.
وفي ظل التغيرات الفسيولوجية والنفسية التي تطرأ على الصائم، يصبح تبني نمط حياة منظم ضرورة ملحة وليس مجرد خيار، لضمان الحفاظ على الصحة الجسدية والذهنية. وفي هذا التحقيق الموسع، تستعرض «اليوم» آراء نخبة من الاستشاريين والمختصين لرسم خارطة طريق تضمن للطلاب صياماً صحياً ودراسة مثمرة.
الصيام: فرصة لتعزيز الانضباط لا عائقاً للنجاح
يؤكد البروفيسور عبدالمعين عيد الأغا، أستاذ واستشاري غدد الصماء وسكري الأطفال بمستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، على حقيقة علمية هامة وهي أن الصيام بحد ذاته لا يشكل عائقاً فسيولوجياً أمام القدرة على التعلم والاستيعاب. ويشير إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الممارسات الاجتماعية الخاطئة التي ترافقت مع الشهر الفضيل، وأبرزها السهر المفرط واختلال الساعة البيولوجية.
وينصح الأغا بضرورة وضع جدول زمني صارم يوازن بين ساعات النوم والمذاكرة والعبادة، مشدداً على أن الطالب الذي ينجح في تنظيم يومه ويحصل على تغذية سليمة، سيجد في رمضان فرصة لتعزيز صفاء الذهن وقوة التركيز.
إرشادات خاصة لطلاب السكري: السلامة أولاً
وفيما يخص الطلاب المصابين بداء السكري، أوضح الأغا أن القرار الطبي بالصيام يعتمد على الحالة الفردية لكل طالب. فبينما قد يُمنع طلاب النوع الأول ذوي القراءات المتذبذبة من الصيام حفاظاً على حياتهم، يمكن لطلاب الحالات المستقرة الصيام تحت رقابة طبية وأسرية دقيقة.
وحذر بشدة من تجاهل أعراض هبوط السكر مثل التعرق، الدوخة، وتسارع نبضات القلب، مؤكداً أن قياس السكر أثناء الصيام ضرورة لا تفسد الصوم، وأن الإفطار الفوري واجب عند انخفاض المعدلات عن الحد الآمن، فالصحة أمانة والدين يسر.
عبدالمعين الأغا
النوم والتغذية: مفاتيح التركيز الذهني
من جانبه، صحح استشاري طب الأسرة والمجتمع الدكتور خالد عبيد باواكد، المفاهيم المغلوطة حول علاقة الصيام بالإرهاق، مرجعاً السبب الرئيسي للتعب إلى الحرمان من النوم وسوء التغذية. وأوصى بضرورة حصول الطالب على 7 إلى 8 ساعات من النوم يومياً، حتى لو كانت مجزأة بين الليل وقيلولة النهار، لضمان استعادة الدماغ لنشاطه.
كما حذر من تأثير الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات والأجهزة الذكية قبل النوم، لما له من أثر سلبي في جودة النوم وإفراز هرمون الميلاتونين، مما ينعكس سلباً على التحصيل الدراسي في اليوم التالي.
استثمار الفترة المسائية والدعم النفسي
ويتفق الدكتور نصرالدين الشريف، استشاري طب الأطفال، مع أهمية استغلال الفترة المسائية بعد الإفطار كوقت ذهبي للمذاكرة، حيث يكون الجسم قد استعاد طاقته. ونصح بتجنب الإفراط في ألعاب الفيديو التي تستنزف التركيز وتسرق الوقت الثمين.
وفي السياق النفسي، أشار الدكتور محمد إعجاز براشا، استشاري الطب النفسي، إلى أن اضطراب النوم يؤثر بشكل مباشر على كيمياء الدماغ، مما يسبب العصبية وتشتت الانتباه. وأكد أن رمضان مدرسة للصبر، وأن التنظيم الجيد للوقت يقلل من التوتر النفسي ويحمي الطالب من الاحتراق الدراسي.
محمد براشا
دور الأسرة والتغذية السليمة
واختتمت الأخصائية الاجتماعية مروج محمد شاهيني، بالتأكيد على الدور المحوري للأسرة في توفير البيئة الملائمة، والتركيز على وجبة سحور متكاملة غنية بالبروتينات والكربوهيدرات المعقدة التي تمد الجسم بالطاقة لفترات طويلة، مع ضرورة تعويض السوائل لتجنب الجفاف الذي يؤثر على وظائف المخ.
إن تكامل هذه المنظومة بين الوعي الصحي، التنظيم الأسري، والرقابة الطبية، يضمن للطلاب تجربة رمضانية فريدة تجمع بين الأجر والمثوبة وبين التفوق والنجاح الدراسي.



