
أزمة القروض المتعثرة في بنغلاديش تتجاوز 44 مليار دولار
أزمة مالية تتصاعد: القروض المتعثرة في بنغلاديش تبلغ مستويات قياسية
في إعلان يعكس حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، كشف وزير المالية في بنغلاديش، أمير خسرو تشودري، أمام البرلمان البنغلاديشي عن أرقام صادمة تتعلق بالقطاع المصرفي. فقد بلغ إجمالي القروض المتعثرة (الديون المعدومة) لدى البنوك العاملة في البلاد نحو 5.45 تريليون تاكا بنغلاديشي، وهو ما يعادل تقريباً 44.5 مليار دولار أمريكي، وذلك حتى نهاية شهر ديسمبر الماضي. يأتي هذا الإعلان في ظل تكثيف السلطات المالية والرقابية لجهودها الرامية إلى استرداد هذه الأموال، خاصة من كبار المقترضين المتعثرين الذين يشكلون العبء الأكبر على النظام المالي.
السياق التاريخي لأزمة الديون في القطاع المصرفي
لم تظهر أزمة القروض المتعثرة في بنغلاديش بين عشية وضحاها، بل هي نتيجة لتراكمات تاريخية وهيكلية في القطاع المصرفي. على مدار العقد الماضي، شهدت بنغلاديش نمواً اقتصادياً متسارعاً مدفوعاً بصناعة الملابس الجاهزة والصادرات، إلا أن هذا النمو رافقه ضعف في حوكمة بعض المؤسسات المالية. وقد أشارت تقارير سابقة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى ضرورة إجراء إصلاحات جذرية في النظام المصرفي البنغلاديشي للحد من القروض الموجهة وتخفيف التدخلات التي أدت إلى تفاقم ظاهرة التخلف عن السداد. وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي، فقد قفزت نسبة الديون المتعثرة لتشكل 30.6% من إجمالي محفظة القروض خلال شهر ديسمبر الماضي، مقارنة بنحو 20.2% في الفترة ذاتها من العام السابق، مما ينذر بخطر حقيقي يهدد السيولة النقدية.
التأثيرات الاقتصادية: محلياً ودولياً
تحمل هذه الأرقام تداعيات خطيرة على مستويات عدة. على الصعيد المحلي، يؤدي ارتفاع حجم القروض المتعثرة إلى تقييد قدرة البنوك على منح ائتمانات جديدة للمشاريع الإنتاجية والشركات الصغيرة والمتوسطة، مما يتباطأ معه محرك النمو الاقتصادي ويؤثر سلباً على خلق فرص العمل. كما يضعف من ربحية البنوك ويجبرها على تجنيب مخصصات مالية ضخمة لمواجهة هذه الديون. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن استقرار القطاع المصرفي يعد معياراً أساسياً لثقة المستثمرين الأجانب والمؤسسات المانحة. وتأتي هذه الأزمة في وقت تسعى فيه بنغلاديش للالتزام بشروط برنامج القروض المقدم من صندوق النقد الدولي بقيمة 4.7 مليار دولار، والذي يضع إصلاح القطاع المالي وخفض نسبة القروض المتعثرة على رأس أولوياته لضمان الاستقرار المالي الكلي للبلاد.
آلية التسوية وإجراءات البنك المركزي الصارمة
لمواجهة هذا التحدي المالي غير المسبوق، بدأ بنك بنغلاديش المركزي في اتخاذ خطوات عملية وصارمة. وتتضمن خطة العمل عقد اجتماعات ربع سنوية مكثفة مع إدارات البنوك التي تتجاوز نسبة الديون المتعثرة لديها حاجز الـ 10% من إجمالي قروضها. وتهدف هذه الاجتماعات إلى المراقبة الدقيقة والمتابعة الحثيثة للتقدم المحرز في تسوية الديون، مع التركيز بشكل خاص على أكبر 20 مقترضاً متعثراً في كل بنك، نظراً لأنهم يستحوذون على النسبة الأكبر من إجمالي الديون.
وفي خطوة تهدف إلى ضخ سيولة نقدية فورية في شرايين البنوك، ألزم البنك المركزي جميع البنوك باسترداد ما لا يقل عن 1% من إجمالي قروضها المتعثرة بشكل نقدي بحلول 30 يونيو القادم. ولتسهيل هذه العملية وتسريعها، تم توجيه البنوك بالاعتماد على آلية “تسوية المنازعات البديلة” (ADR) للتفاوض المباشر مع المقترضين، وهي خطوة تأمل الحكومة أن تساهم في حلحلة الأزمة وتجنب الإجراءات القضائية الطويلة والمعقدة، مما يمهد الطريق نحو تعافي القطاع المصرفي واستعادة عافيته.



