كمبوديا تتهم تايلاند بضم قرية حدودية وخرق الهدنة

في تطور لافت يعيد التوتر إلى منطقة جنوب شرق آسيا، أعلنت الحكومة الكمبودية، يوم الجمعة، أن القوات التايلاندية قامت بالسيطرة على قرية حدودية متنازع عليها، موجهة اتهامات صريحة لبانكوك بضم المنطقة وانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه لإنهاء القتال الدامي على طول الحدود بين البلدين قبل أسبوع واحد فقط.
تفاصيل الاتهامات الكمبودية
صرح وزير الإعلام الكمبودي، نيث فيكترا، بأن الجيش التايلاندي بدأ ما وصفه بـ “الضم غير القانوني” لأراضٍ كمبودية، وتحديداً في قرية “تشوك شي”. وأوضح الوزير أن القوات التايلاندية لم تكتفِ بالتوغل، بل قامت بإلحاق أضرار بالمباني المدنية، ووضع أسلاك شائكة وحاويات شحن لإنشاء جدار حدودي، في خطوة تهدف لفرض أمر واقع جديد.
وأضاف فيكترا أن “التأكيد الأحادي لسيادة تايلاند بالقوة ظهر جلياً من خلال رفع العلم التايلاندي فوق المنطقة”، مشدداً على أن كمبوديا لن تعترف بأي تغيير للحدود ناتج عن استخدام القوة العسكرية. واستندت الوزارة في اتهاماتها إلى خرائط تظهر توغلاً عسكرياً تايلاندياً بعمق يصل إلى 750 متراً داخل الأراضي التي تعتبرها بنوم بنه تابعة لها.
الرواية التايلاندية: استعادة أراضٍ محتلة
في المقابل، رفض الجيش التايلاندي الرواية الكمبودية جملة وتفصيلاً. وأصدر بياناً أكد فيه سيطرته على مناطق وصفها بأنها “تابعة لتايلاند تاريخياً”، مشيراً إلى أن هذه الأراضي كانت “محتلة” من قبل كمبوديا عبر نشر جنود وتوطين مدنيين فيها بشكل غير قانوني.
وأكد الجانب التايلاندي أن تحركاته لا تعد غزواً، بل هي إجراءات لحماية السيادة الوطنية، نافياً التقارير الإعلامية التي تحدثت عن استخدام القوة المفرطة لانتزاع الأراضي.
جذور النزاع التاريخي والخلفية الجيوسياسية
لا يعد هذا النزاع وليد اللحظة، بل يمتد لجذور تاريخية عميقة تتعلق بترسيم الحدود الذي تم خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية في أوائل القرن العشرين. ولطالما كانت المناطق الحدودية، وخاصة تلك المحيطة بمعبد “برياه فيهير” (Preah Vihear)، نقطة اشتعال بين الجارتين. وقد أصدرت محكمة العدل الدولية أحكاماً سابقة (في عامي 1962 و2013) حاولت فيها توضيح السيادة على بعض المناطق، إلا أن مساحات واسعة من الحدود البرية التي تمتد لمسافة 800 كيلومتر لا تزال غير مرسمة بوضوح، مما يترك الباب مفتوحاً لتجدد الاشتباكات.
التداعيات الإنسانية والإقليمية
تأتي هذه التطورات بعد عام شهد مواجهات عسكرية متقطعة، بلغت ذروتها في ديسمبر الماضي، مما أسفر عن مقتل العشرات ونزوح أكثر من مليون شخص من الجانبين، وفقاً للتقارير الواردة. ويخشى المراقبون من أن يؤدي انهيار الهدنة الهشة التي تم الاتفاق عليها في 27 ديسمبر إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.
على الصعيد الإقليمي، يمثل هذا النزاع تحدياً كبيراً لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي تسعى جاهدة للحفاظ على الاستقرار والتعاون الاقتصادي بين أعضائها. وقد يؤدي استمرار التصعيد إلى تعطيل التجارة البينية وحركة السياحة، فضلاً عن استدعاء تدخلات دولية لمحاولة احتواء الموقف قبل خروجه عن السيطرة.



