مال و أعمال

الصين تلزم الشركات بإعادة أموال الاكتتابات الخارجية

في خطوة استراتيجية جديدة تعكس توجه بكين نحو تعزيز سيطرتها على التدفقات المالية العابرة للحدود، أعلنت السلطات الصينية رسمياً أن الشركات المحلية ستكون مُلزمة «مبدئياً» بإعادة الأموال المتحصل عليها من الاكتتابات الخارجية إلى داخل البلاد. تأتي هذه القواعد الجديدة ضمن إطار تنظيمي شامل يهدف إلى تشديد الرقابة على التمويل الخارجي، وسعياً من الحكومة الصينية لإدارة المخاطر المالية والحفاظ على استقرار سوق النقد الأجنبي.

ووفقاً للتوجيهات الصادرة يوم الجمعة عن بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) والهيئة الحكومية لتنظيم النقد الأجنبي (SAFE)، فإن الشركات التي تحتفظ بأموال في الخارج لأغراض محددة مثل الاستثمار الأجنبي المباشر، أو الاستثمار في الأوراق المالية الخارجية، أو منح القروض الخارجية، ستكون مطالبة بالحصول على موافقة مسبقة من الجهات التنظيمية قبل إتمام عمليات الإدراج أو التصرف في تلك الأموال. هذا الإجراء يقلص من المرونة التي كانت تتمتع بها الشركات سابقاً في إدارة عوائدها الدولارية خارج البر الرئيسي.

وبموجب هذه اللوائح التنظيمية، التي تقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من أبريل (نيسان) عام 2026، يتعين على الشركات استخدام حسابات رأس مال مخصصة لتسوية الأموال العابرة للحدود. كما تنص القواعد بوضوح على وجوب إعادة الأموال الناتجة عن معاملات المساهمين، بما في ذلك عوائد شراء أو بيع الأسهم المدرجة في البورصات الخارجية، إلى الصين «مبدئياً»، مما يغلق الباب أمام الاحتفاظ بالسيولة الأجنبية في الخارج لفترات طويلة دون مبرر مقبول لدى السلطات.

وفي سياق متصل، تطرقت القواعد الجديدة إلى سياسة «التداول الكامل» أو ما يعرف بأسهم «إتش شير» (H-share)، وهي الأسهم الصينية المدرجة في بورصة هونغ كونغ. حيث ألزمت السلطات أن تتم جميع تحويلات الأموال المتعلقة بهذه الأسهم عبر الحسابات المخصصة في غرفة المقاصة الصينية. والأهم من ذلك، يجب تسوية الأرباح الموزعة على المساهمين المقيمين في البر الرئيسي الصيني بالعملة المحلية (اليوان) داخل الصين، بدلاً من استخدام القنوات الخارجية أو العملات الأجنبية، وهو ما يعزز من استخدام اليوان في التسويات المالية.

تأتي هذه التحركات في سياق تاريخي واقتصادي أوسع، حيث تسعى الصين منذ عدة سنوات إلى كبح جماح المخاطر النظامية في نظامها المالي، خاصة بعد فترات شهدت خروجاً كبيراً لرؤوس الأموال. وتعمل بكين على الموازنة بين السماح لشركاتها بالنمو عالمياً وبين ضرورة الحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي واستقرار سعر صرف العملة المحلية. ويرى مراقبون اقتصاديون أن هذه الخطوة ستجبر الشركات الصينية الكبرى، خاصة في قطاع التكنولوجيا، على إعادة تقييم استراتيجياتها التمويلية العالمية، حيث لم يعد الإدراج في الخارج وسيلة سهلة للاحتفاظ بأصول مقومة بالدولار بعيداً عن أعين الرقيب المحلي.

ومن المتوقع أن يكون لهذا القرار تأثيرات ملموسة على المدى الطويل، حيث يعزز من السيولة المحلية ويمنح البنك المركزي أدوات أقوى للتحكم في السياسة النقدية، ولكنه في الوقت ذاته قد يضيف أعباءً إجرائية على الشركات التي تسعى للتوسع الدولي السريع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى