اقتصاد

بريطانيا ورسوم ترمب: تداعيات قرار المحكمة العليا الأمريكية

تواجه المملكة المتحدة خطراً اقتصادياً متزايداً قد يجعلها في مقدمة الخاسرين عالمياً من تداعيات قرار المحكمة العليا الأمريكية الأخير، الذي قضى بإسقاط الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترمب العام الماضي. هذا القرار، الذي بدا للوهلة الأولى انتصاراً للتجارة الحرة، تحول إلى كابوس تجاري للندن بعدما فقدت الميزة التنافسية الحصرية التي كانت تتمتع بها بمعدل تعرفة أدنى من بقية الدول المنافسة.

تعهدات ترمب وتآكل الميزة البريطانية

لم يتوقف الأمر عند الحكم القضائي، بل تفاقم الوضع مع تعهد ترمب الفوري بإعادة فرض رسوم عالمية شاملة بنسبة 15% على جميع الشركاء التجاريين دون استثناء. هذه الخطوة تعني عملياً محو الأفضلية التجارية التي كانت لندن تتمتع بها سابقاً عند مستوى 10%، مما يؤدي إلى ارتفاع فعلي وملموس في تكلفة الصادرات البريطانية المتجهة إلى السوق الأمريكية، وهي واحدة من أهم الأسواق الاستهلاكية للمنتجات البريطانية.

خلفية المعركة القانونية في واشنطن

لفهم عمق الأزمة، يجب النظر إلى السياق القانوني والسياسي في واشنطن. فقد أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكماً تاريخياً بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، يقضي بأن الرئيس لا يملك سلطة مطلقة لفرض تعريفات جمركية بموجب قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية الصادر عام 1977. هذا القانون كان يسمح نظرياً للسلطة التنفيذية بالتصرف في المجال الاقتصادي دون موافقة مسبقة من الكونغرس في ظل حالة طوارئ اقتصادية. إلا أن المحكمة رأت أن استخدام ترمب لهذا القانون أدى إلى زعزعة استقرار التجارة العالمية وتجاوز الصلاحيات الدستورية، مما استدعى تدخلاً قضائياً لإعادة رسم حدود السلطة بين البيت الأبيض والكونغرس.

إعادة رسم خريطة الرابحين والخاسرين

وفقاً لتحليلات مؤسسة «Global Trade Alert»، فإن هذا التحول الجذري في السياسة الجمركية سيجعل بريطانيا تسجل أكبر زيادة نسبية في الرسوم، تليها إيطاليا وسنغافورة، مما يضع ضغوطاً هائلة على قطاعات التصدير في هذه الدول. في المقابل، من المتوقع أن تكون الاقتصادات الناشئة الكبرى مثل البرازيل والصين والهند من أبرز المستفيدين من إعادة هيكلة التعريفات، حيث ستتساوى الفرص أمام منتجاتها مع منتجات الدول التي كانت تحظى بمعاملة تفضيلية سابقاً.

الصين والبحث عن التوازن المستدام

في سياق متصل، علق أنطوني ساسين، الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الاستثمارية المتخصصة، قائلاً: «الصين تستفيد بشكل مباشر من قرار المحكمة العليا بإلغاء الرسوم الجمركية الانتقائية التي فرضها ترمب». وأضاف موضحاً الرؤية الاستراتيجية لبكين: «على المدى الطويل، لا تزال بكين تسعى لإعادة التوازن الهيكلي بين الصادرات والاستهلاك المحلي لتحقيق نمو أكثر استدامة، وهذا القرار يمنحها متنفساً في حربها التجارية».

مستقبل التجارة العالمية في ظل التصعيد

رد ترمب على قرار المحكمة لم يتأخر، حيث أعلن عن خطة بديلة لفرض رسوم جمركية عالمية جديدة تبدأ بنسبة 10% على الواردات بموجب سلطة قانونية مختلفة، قبل أن يرفع سقف التهديد إلى 15%. هذا التصعيد يشير إلى أن الاقتصاد العالمي مقبل على مرحلة من عدم اليقين، حيث قد تؤدي هذه السياسات الحمائية إلى موجة تضخم جديدة واضطرابات في سلاسل التوريد، ويبقى الاقتصاد البريطاني في عين العاصفة، محاولاً التكيف مع واقع جديد تلاشت فيه امتيازاته التاريخية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى