
الفساد في موريتانيا: هل تنجح محاكمة العشرية في ردع الفاسدين؟
يشهد المشهد السياسي والمجتمعي في موريتانيا حراكاً واسعاً ونقاشاً محتدماً حول ملف الفساد الذي يُعتبر أحد أكبر معوقات التنمية في البلاد. ويتصدر هذا النقاش المحاكمة التاريخية للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وعدد من كبار مساعديه، في قضية باتت تُعرف إعلامياً بـ “ملف العشرية”، والتي تمثل نقطة تحول فارقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الموريتانية وآليات تعاملها مع الفساد المستشري في مفاصل الدولة.
السياق التاريخي: جذور الأزمة في “العشرية”
لفهم عمق النقاش الحالي، لا بد من العودة إلى فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز التي امتدت لعقد من الزمن (2009-2019)، وهي الفترة التي يشار إليها بـ “العشرية”. خلال هذه السنوات، أثيرت العديد من الشكوك والاتهامات حول إدارة المال العام وصفقات كبرى في قطاعات حيوية مثل الصيد، والطاقة، والبنية التحتية، والعقارات. وقد وثقت تقارير لجان التحقيق البرلمانية التي شُكلت بعد رحيل ولد عبد العزيز عن السلطة، وجود شبهات قوية حول سوء تسيير وهدر للمال العام وإثراء غير مشروع، وهو ما شكل الأساس القانوني للمحاكمة الجارية التي ينظر إليها الكثيرون على أنها اختبار حقيقي لإرادة الدولة في تطبيق مبدأ المساءلة والمحاسبة.
أهمية المحاكمة وتأثيرها المتوقع
تكتسب هذه المحاكمة أهمية استثنائية على عدة مستويات. فعلى الصعيد المحلي، هي المرة الأولى في تاريخ موريتانيا التي يمثل فيها رئيس سابق أمام القضاء بتهم تتعلق بالفساد المالي والإداري. يرى المراقبون أن نتائج هذه المحاكمة، بغض النظر عن أحكامها النهائية، سترسي سابقة قضائية وسياسية هامة، وقد تساهم في تعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وخاصة القضاء، وتعمل كرادع قوي لأي مسؤول يفكر في استغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية. كما يُؤمل أن تساهم في استرداد جزء من الأموال المنهوبة وإعادة توجيهها نحو مشاريع التنمية التي يحتاجها الشعب.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذه الخطوة تضع موريتانيا تحت المجهر. فنجاحها في إدارة هذا الملف المعقد بشفافية ونزاهة من شأنه أن يحسن من صورة البلاد وتصنيفها في مؤشرات الحوكمة ومكافحة الفساد العالمية، مثل مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية. هذا التحسن قد يشجع على تدفق الاستثمارات الأجنبية ويعزز علاقات موريتانيا مع شركائها الدوليين والمؤسسات المالية المانحة التي طالما دعت إلى تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد كشرط أساسي لتقديم الدعم. وفي المقابل، يمثل هذا الملف تحدياً كبيراً للنظام القضائي وللحكومة الحالية برئاسة محمد ولد الشيخ الغزواني، التي جعلت من مكافحة الفساد أحد أبرز وعودها الانتخابية.



