وزير خارجية الدنمارك: أزمة غرينلاند مع واشنطن لم تنتهِ بعد

أكد وزير الخارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسن، أن التوترات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بشأن جزيرة غرينلاند لم تنتهِ كلياً، رغم إحراز تقدم ملموس في المحادثات الأخيرة. وجاءت هذه التصريحات في أعقاب تجدد الاهتمام الأمريكي، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، بتعزيز النفوذ في الجزيرة القطبية لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
تطورات الموقف الدبلوماسي في نوك
وفي تصريحات صحفية من العاصمة الغرينلاندية "نوك"، أوضح راسموسن أن الوضع الحالي أفضل بكثير مما كان عليه قبل عدة أسابيع، مشيراً إلى أن الحوار انتقل من مرحلة التهديدات إلى مرحلة التفاوض البناء. وقال راسموسن: "لم نخرج من الأزمة بعد، ولم نتوصل إلى حل نهائي حتى الآن، لكننا نسير في اتجاه أكثر إيجابية".
ويأتي هذا التحول بعد اتفاق مبدئي على "إطار عمل" تم التوصل إليه بالتنسيق مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، مما ساهم في تهدئة المخاوف من خطوات أحادية الجانب قد تتخذها واشنطن.
الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند: سياق تاريخي وجيوسياسي
لفهم عمق هذه الأزمة، يجب النظر إلى الموقع الجيوسياسي الحساس لغرينلاند. تعد الجزيرة بوابة حيوية للقطب الشمالي، وهي منطقة تشهد تنافساً دولياً متصاعداً بين القوى العظمى (الولايات المتحدة، روسيا، والصين) بسبب ذوبان الجليد الذي يفتح ممرات ملاحية جديدة ويكشف عن ثروات طبيعية هائلة.
تاريخياً، لم يكن اهتمام واشنطن بالجزيرة وليد اللحظة؛ فقد حاولت الولايات المتحدة شراء غرينلاند في عام 1946 في عهد الرئيس هاري ترومان، وعاد الرئيس ترامب لطرح الفكرة في ولايته الأولى عام 2019، مما أثار أزمة دبلوماسية حينها. وتستضيف الجزيرة قاعدة "ثول" الجوية الأمريكية، التي تعد حجر الزاوية في نظام الإنذار المبكر الصاروخي للولايات المتحدة والناتو، مما يجعل الحفاظ على النفوذ فيها أولوية قصوى للبنتاغون.
الخطوط الحمراء والسيادة الوطنية
من جانبها، رحبت وزيرة خارجية غرينلاند، فيفيان موتزفيلدت، ببدء "حوار مباشر" ثلاثي الأطراف (الولايات المتحدة، الدنمارك، وغرينلاند)، واصفة المحادثات بأنها تتسم بالاحترام المتبادل. ومع ذلك، شدد الجانبان الدنماركي والغرينلاندي على أن السيادة والسلامة الإقليمية تمثلان "خطاً أحمر" لا يمكن تجاوزه.
وتم تشكيل فريق عمل مشترك لمناقشة المخاوف الأمنية الأمريكية، والتي تركز على منع أي نفوذ معادٍ في المنطقة القطبية. وأشار راسموسن إلى أن تحديد هذه الخطوط الحمراء بوضوح قبل بدء المحادثات يعد علامة إيجابية على إمكانية التوصل إلى حلول وسطى تضمن المصالح الأمنية لواشنطن دون المساس بسيادة كوبنهاغن ونوك.
نفي الحرب التجارية
وفي سياق متصل، نفى وزير الخارجية الدنماركي وجود أي رابط بين هذه الأزمة والملفات الاقتصادية، مؤكداً عدم وجود "حرب تجارية" مع أوروبا بسبب هذا الملف. وأوضح أن جميع الأطراف متفقة على ضرورة حل الخلاف عبر القنوات الدبلوماسية الطبيعية، بعيداً عن التصعيد الاقتصادي.
ويبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تسعى الدنمارك للموازنة بين التزاماتها كحليف استراتيجي للولايات المتحدة داخل الناتو، وبين واجبها في حماية سيادة أراضيها وحقوق شعب غرينلاند في الحكم الذاتي.



