أزمة دبلوماسية بين فرنسا وأمريكا وإيطاليا بسبب مقتل ناشط يميني

شهدت الساحة الدولية خلال الساعات الماضية توتراً دبلوماسياً غير مسبوق بين باريس من جهة، وواشنطن وروما من جهة أخرى، على خلفية مقتل ناشط يميني شاب في فرنسا. وقد تحولت حادثة جنائية محلية إلى قضية رأي عام عالمي، استدعت تدخلات مباشرة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، مما دفع الرئاسة الفرنسية للرد بحزم دفاعاً عن سيادتها الداخلية.
بداية الشرارة: اتهامات أمريكية ورد فرنسي بالأرقام
بدأت الأزمة عندما أدانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما وصفته بـ"الإرهاب" في فرنسا، محذرة من تصاعد العنف اليساري. وجاء ذلك في أعقاب مقتل الناشط اليميني المتطرف "كوينتين دورانك" (23 عاماً) ضرباً حتى الموت. وصرحت سارة روجرز، نائبة وزير الخارجية للدبلوماسية العامة، بأن مقتل دورانك يطرح تساؤلات حول التعامل مع "العنف السياسي والإرهاب"، مضيفة في تغريدة مثيرة للجدل على منصة إكس: "بمجرد أن تقرر قتل الناس بسبب آرائهم بدلاً من إقناعهم، تكون قد اخترت الخروج من الحضارة"، مؤكدة أن واشنطن ستواصل متابعة القضية.
لم تتأخر باريس في الرد، حيث نشر الحساب الرسمي "فرانس ريسبونس" (الرد الفرنسي) إحصائيات رسمية تقارن معدلات جرائم القتل بين البلدين، موضحاً أن المعدلات في الولايات المتحدة تتجاوز نظيرتها في فرنسا بأشواط، وعلق الحساب بعبارة ساخرة تحاكي التصريح الأمريكي: "سنواصل متابعة هذه القضية"، في إشارة إلى مشاكل العنف الداخلي في أمريكا.
تفاصيل الحادثة والسياق الداخلي المتوتر
تعود تفاصيل الحادثة إلى الأسبوع الماضي في مدينة ليون (جنوب شرق فرنسا)، حيث توفي كوينتين دورانك متأثراً بإصابات خطيرة في الرأس. وبحسب التقارير، تعرض الشاب لهجوم عنيف من قبل مجموعة تضم ستة أشخاص على الأقل، وذلك على هامش احتجاجات ضد مؤتمر شاركت فيه النائبة الأوروبية ريما حسن، العضو في حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي. وقد أصدر مكتب مكافحة الإرهاب التابع للخارجية بياناً حذر فيه من أن "التطرف اليساري العنيف في ازدياد"، معتبراً الحادثة مؤشراً خطيراً على السلامة العامة.
تدويل القضية: ميلوني تدخل على الخط وماكرون يغضب
لم يتوقف السجال عند المحور الفرنسي الأمريكي، بل امتد ليشمل إيطاليا. فقد وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية، جورجيا ميلوني، مقتل الناشط الفرنسي بأنه "جرح لأوروبا بأسرها". هذا التصريح أثار حفيظة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي انتقد بشدة ما اعتبره تدخلاً في الشؤون الداخلية الفرنسية ومحاولة لاستغلال مأساة إنسانية لأغراض سياسية عابرة للحدود.
دلالات الأزمة وأبعادها السياسية
يعكس هذا السجال الثلاثي حالة الاستقطاب السياسي الحاد الذي يشهده الغرب حالياً بين تيارات اليمين الشعبوي والتيارات الليبرالية واليسارية. ويشير المراقبون إلى أن اهتمام إدارة ترامب وميلوني بهذه الحادثة يأتي في سياق تعزيز سردية "خطر اليسار الراديكالي"، وهو ملف حساس جداً في السياسة الأوروبية والأمريكية حالياً. في المقابل، تسعى باريس للتأكيد على أن مؤسساتها القضائية والأمنية قادرة على التعامل مع الجرائم الداخلية دون وصاية خارجية، محاولةً منع تحويل الحادثة إلى وقود للصراعات الأيديولوجية الدولية.


