اقتصاد

اقتصاد أولمبياد ميلانو 2026: عوائد بـ 5.3 مليار يورو

تستعد إيطاليا لحدث استثنائي يعيد رسم خريطة السياحة والاستثمار في القارة العجوز، حيث تعود الألعاب الأولمبية الشتوية إلى أحضان جبال الألب عبر بوابة «ميلانو-كورتينا 2026». هذا الحدث لا يمثل مجرد منافسة رياضية عالمية فحسب، بل يشكل رافعة اقتصادية ضخمة واستراتيجية تنموية طويلة الأمد لمناطق الشمال الإيطالي، متجاوزاً في تأثيره حدود الملاعب الجليدية.

عودة الأولمبياد: سياق تاريخي ونموذج مبتكر

بعد مرور عشرين عاماً على استضافة تورينو للألعاب الشتوية في 2006، تعود الشعلة الأولمبية إلى إيطاليا ولكن بنموذج مغاير تماماً. تقدم دورة 2026 مفهوماً جديداً يعتمد على «الاستضافة الموزعة»، حيث تتشارك مدينة ميلانو، العاصمة المالية والموضة، مع منتجع كورتينا دامبيتسو الجبلي العريق، بالإضافة إلى مدن تاريخية مثل فيرونا. هذا التوزيع الجغرافي ليس مجرد حل لوجستي، بل هو استجابة لتوجهات اللجنة الأولمبية الدولية الحديثة التي تهدف إلى تقليل الهدر المالي وتعزيز الاستدامة، متلافية بذلك الأخطاء المالية التي وقعت فيها دورات سابقة مثل سوتشي وبكين، وحتى تورينو التي عانت من ديون ما بعد البطولة.

الأثر الاقتصادي: لغة الأرقام والمليارات

تشير التوقعات الاقتصادية الصادرة عن مؤسسات مالية مرموقة، بما في ذلك بنك «بيفايس» (Banca Ifis)، إلى أن القيمة الاقتصادية المضافة للألعاب ستصل إلى نحو 5.3 مليار يورو. هذا الرقم الضخم يتجاوز مجرد عوائد التذاكر، ليعكس حركة اقتصادية شاملة تتوزع كالتالي:

  • الإنفاق المباشر: يُتوقع ضخ 1.1 مليار يورو خلال فترة المنافسات من قبل الزوار والفرق المشاركة.
  • الاستثمار في البنية التحتية: تستحوذ مشاريع التطوير على حصة الأسد بنحو 3 مليارات يورو، مما يضمن تحديث شبكات النقل والمرافق العامة التي ستخدم المواطنين لعقود قادمة.
  • الزخم السياحي المستمر: تشير التقديرات إلى تدفقات إضافية بقيمة 1.2 مليار يورو ستمتد آثارها لما بعد انتهاء الحدث بعام ونصف.

السياحة والاستثمار: ما بين التوقعات والواقع

على الرغم من أن الألعاب الشتوية عادة ما تجذب أعداداً أقل من نظيرتها الصيفية، إلا أن «ميلانو-كورتينا» تراهن على الجودة لا الكم. بيانات الحجوزات المبكرة لشركات الطيران وبطاقات الائتمان تظهر قفزة بنسبة 160% في الاهتمام بالسفر إلى شمال إيطاليا. هذا النموذج الموزع يقلل من ظاهرة «الإزاحة السياحية» (حيث يهرب السياح العاديون من الازدحام)، إذ يسمح بتوزيع الزوار على رقعة جغرافية واسعة تشمل البندقية وفيرونا، مما يضمن استفادة قطاعات الضيافة في كامل الإقليم.

الإدارة المالية وضبط التكاليف

من منظور الاقتصاد الكلي، تبدو إيطاليا حذرة ومتفائلة في آن واحد. تقدر وكالة «ستاندرد آند بورز» التكلفة الإجمالية بين 5.7 و5.9 مليار يورو، وهو رقم يُعتبر «مضبوطاً» مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا (0.3%). الاعتماد الكبير على التمويل الحكومي للبنية التحتية (63%) يؤكد أن الدولة تنظر للحدث كمشروع تنموي وطني يهدف لربط المدن الصناعية بالمناطق السياحية الجبلية بشبكة مواصلات حديثة، وهو الإرث الحقيقي الذي سيبقى بعد انطفاء الشعلة.

في الختام، تمثل دورة ميلانو-كورتينا 2026 اختباراً حقيقياً لقدرة الدول الأوروبية على تنظيم أحداث كبرى بتكاليف معقولة وعوائد مستدامة، واضعة المعايير الاقتصادية والبيئية قبل الميداليات الرياضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى