مصر والسودان: حقيقة الإساءة للوافدين وجدل السوشيال ميديا

على الرغم من التأكيدات الرسمية المستمرة من القاهرة والنفي القاطع لأي توجهات ممنهجة للإساءة إلى الأشقاء السودانيين، لا تزال منصات التواصل الاجتماعي ساحة لمناوشات حادة وجدل واسع النطاق. لم ينجح النفي المصري الرسمي في إخماد جذوة التراشق اللفظي الذي يتجدد مع كل مقطع فيديو فردي أو شائعة يتم تداولها، مما يعكس فجوة بين الموقف السياسي الرسمي والمزاج العام في الفضاء الإلكتروني.
السياق العام: أزمة النزوح وتحديات الاستيعاب
تأتي هذه التوترات الرقمية في وقت بالغ الحساسية، حيث استقبلت مصر مئات الآلاف من الوافدين السودانيين منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان في منتصف أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وقد فتحت مصر أبوابها للأشقاء الفارين من ويلات الحرب، انطلاقاً من التزامها الأخلاقي والقومي، إلا أن التدفق الكبير للأعداد في وقت تعاني فيه مصر من تحديات اقتصادية وضغوط تضخمية، خلق بيئة خصبة لبعض الاحتكاكات الفردية التي سرعان ما يتم تضخيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتأخذ أبعاداً أكبر من حجمها الحقيقي.
الخلفية التاريخية: علاقات أزلية تتجاوز الأزمات
لفهم طبيعة ما يحدث، يجب النظر إلى عمق العلاقات المصرية السودانية التي توصف دائماً بـ«الأزلية» و«وحدة وادي النيل». تاريخياً، ارتبط البلدان باتفاقيات عديدة تمنح مواطني البلدين امتيازات خاصة، أبرزها اتفاقية «الحريات الأربع» الموقعة عام 2004، والتي تنص على حرية التنقل، والإقامة، والعمل، والتملك. لطالما اعتبرت القاهرة الخرطوم عمقاً استراتيجياً وأمنياً، واعتبر السودانيون مصر بلدهم الثاني. هذه الخلفية تجعل أي حديث عن «إساءة» أمراً مستهجناً رسمياً وشعبياً لدى الغالبية العظمى، إلا أن المتغيرات الديموغرافية والاقتصادية الأخيرة وضعت هذه المفاهيم التاريخية تحت اختبار الضغط الشعبي.
الأهمية والتأثير الإقليمي للحدث
لا يمكن حصر هذا الجدل في إطار «التريند» أو المناوشات العابرة، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية هامة:
- على الصعيد المحلي: تثير هذه النقاشات تساؤلات حول قدرة البنية التحتية والخدمات في مصر على استيعاب المزيد من الضيوف في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.
- على الصعيد الإقليمي: تحرص الدولتان على عدم السماح لهذه الأصوات بتعكير صفو العلاقات الدبلوماسية، خاصة في ظل حاجة البلدين للتنسيق المشترك في ملفات حيوية مثل أمن البحر الأحمر وملف سد النهضة.
- دولياً: يراقب المجتمع الدولي كيفية تعامل دول الجوار مع الأزمة السودانية، حيث تعد مصر الوجهة الأكبر والأكثر استقراراً للاجئين، وأي توتر مجتمعي قد يؤثر على جهود الإغاثة والاستقرار الإقليمي.
في الختام، يبقى الرهان على وعي الشعبين المصري والسوداني لتجاوز فخاخ «الفتنة الإلكترونية»، والتركيز على الجانب الإنساني والتاريخي الذي يجمع أبناء النيل، مع ضرورة المعالجة الحكيمة لأي تجاوزات فردية بالقانون بعيداً عن التعميم المخل.



