البيتكوين يهدد سيادة أفريقيا الوسطى: أزمة مشروع سانغو

تواجه جمهورية أفريقيا الوسطى تحديات سياسية واقتصادية غير مسبوقة، حيث تحول طموح البلاد في تبني العملات الرقمية إلى أزمة دستورية وقانونية تلامس جوهر السيادة الوطنية. فبعد أن أثارت الحكومة الجدل بإطلاق مشروع عملة "سانغو" (Sango Coin) المدعوم بالبيتكوين، تدخلت المحكمة الدستورية لتضع حداً لبعض طموحات الرئيس فوستان أرشانج تواديرا، معتبرة أن بيع الجنسية والإقامة الإلكترونية مقابل العملات المشفرة يعد انتهاكاً صارخاً للدستور وتهديداً لسيادة الدولة، خاصة في ظل التوترات السياسية التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية.
خلفية المشروع والتحول الرقمي المثير للجدل
بدأت القصة في أبريل 2022، عندما فاجأت جمهورية أفريقيا الوسطى العالم بكونها الدولة الثانية عالمياً والأولى أفريقياً التي تعتمد "البيتكوين" كعملة قانونية رسمية إلى جانب الفرنك الأفريقي. ورغم أن الحكومة بررت هذه الخطوة بأنها وسيلة للتحرر المالي وجذب الاستثمارات الأجنبية في بلد يعاني من ضعف البنية التحتية المصرفية، إلا أن الخطوة قوبلت بتشكيك واسع من المؤسسات المالية الدولية.
الصدام مع المحكمة الدستورية ومفهوم السيادة
تفاقم الوضع مع إطلاق مشروع "سانغو"، الذي كان يهدف إلى بيع الجنسية والأراضي والموارد الطبيعية عبر العملات الرقمية. هنا، أصدرت المحكمة الدستورية حكماً حاسماً بإلغاء هذه الإجراءات، مؤكدة أن الجنسية ليست سلعة تجارية، وأن بيع الأراضي للأجانب عبر منصات رقمية يمس بالسيادة الوطنية. جاء هذا الحكم ليشكل ضربة قوية للمشروع الحكومي، وليؤكد أن الاندفاع نحو التكنولوجيا المالية لا يجب أن يكون على حساب الثوابت الوطنية.
Economic and regional dimensions
لا يمكن فصل هذا الحدث عن السياق الإقليمي المرتبط بالعملة الموحدة "الفرنك الأفريقي" (CFA). يرى العديد من المحللين أن لجوء أفريقيا الوسطى للبيتكوين هو محاولة للفكاك من الهيمنة النقدية الفرنسية والقيود التي يفرضها البنك المركزي لدول وسط أفريقيا (BEAC). وقد حذر البنك المركزي الإقليمي وصندوق النقد الدولي مراراً من أن اعتماد العملات المشفرة قد يزعزع الاستقرار المالي في المنطقة ويسهل عمليات غسيل الأموال، مما يضع البلاد في عزلة مالية بدلاً من دمجها في الاقتصاد العالمي.
التأثير على المشهد السياسي والانتخابات
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تحول ملف العملات المشفرة إلى ورقة ضغط سياسية. فبينما تروج الحكومة للمشروع كأداة للنهضة الاقتصادية ومحاربة الفقر، ترى المعارضة فيه وسيلة غامضة قد تستخدم لتمويل أنشطة غير شفافة أو للالتفاف على العقوبات الدولية. هذا الانقسام يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد السياسي في بلد يسعى جاهداً لتحقيق الاستقرار بعد سنوات من النزاعات الداخلية، مما يجعل من "البيتكوين" فاعلاً رئيسياً ومثيراً للجدل في مستقبل البلاد السياسي.



