مفاوضات دمشق وقسد: مساعٍ لإنقاذ اتفاق الدمج العسكري

تشهد الساحة السورية حراكاً سياسياً وعسكرياً مكثفاً وغير مسبوق، حيث تُسارع كل من الحكومة السورية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الخطى لإنقاذ اتفاق الدمج المقترح بين الطرفين، وذلك قبل انقضاء المهلة الزمنية غير المعلنة رسمياً ولكن المتفق عليها ضمنياً برعاية وسطاء دوليين، وعلى رأسهم روسيا. يأتي هذا الاستعجال في ظل تحديات ميدانية وإقليمية تفرض على الجانبين ضرورة التوصل إلى صيغة توافقية تجنب المنطقة سيناريوهات أكثر تعقيداً.
خلفية تاريخية وجذور الخلاف
لفهم طبيعة هذا السباق المحموم، لا بد من العودة إلى جذور العلاقة الشائكة بين دمشق والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا. منذ سنوات، تسيطر «قسد» المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية على مساحات واسعة من الأراضي السورية الغنية بالموارد، بينما تصر دمشق على استعادة السيادة الكاملة على كافة الأراضي الوطنية. ولطالما تعثرت المفاوضات السابقة عند نقطة جوهرية: هل يتم دمشق «قسد» كأفراد داخل الجيش السوري (رؤية دمشق)، أم يتم الحفاظ عليها ككيان عسكري يتمتع بخصوصية ضمن منظومة الدفاع الوطني (رؤية قسد)؟
الدور الروسي والتهديدات الإقليمية
يلعب الجانب الروسي دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر، حيث تسعى موسكو لدمج القوات الكردية ضمن الفيلق الخامس أو تشكيلات رديفة للجيش السوري لقطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية أخرى. وتكتسب هذه المفاوضات أهميتها القصوى من السياق الإقليمي المتوتر، وتحديداً التهديدات التركية المستمرة بشن عمليات عسكرية برية في الشمال السوري. هذا الضغط الخارجي يشكل دافعاً قوياً للطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، حيث تدرك «قسد» أن الغطاء الأمريكي قد لا يكون دائماً، بينما تدرك دمشق أن استعادة الموارد النفطية والزراعية في الشرق ضرورة اقتصادية ملحة.
أهمية الاتفاق وتأثيره المتوقع
إن نجاح اتفاق الدمج قبل انقضاء المهلة سيشكل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب السورية. محلياً، سيعني ذلك توحيد البندقية في مواجهة التنظيمات الإرهابية وتعزيز الاستقرار في مناطق الجزيرة والفرات. اقتصادياً، سيسهم في تخفيف حدة الأزمة المعيشية عبر تسهيل تدفق النفط والقمح إلى باقي المحافظات السورية. أما إقليمياً، فسيرسم هذا الاتفاق خطوطاً حمراء جديدة أمام الأطماع التوسعية في الأراضي السورية، ويعيد تشكيل الخارطة السياسية بما يضمن وحدة الأراضي السورية وسيادتها.
وفي الختام، تبقى الساعات والأيام المقبلة حاسمة في تحديد مصير هذا الاتفاق، فإما أن تنجح الدبلوماسية والضرورات العسكرية في ردم الهوة، أو تعود الأمور إلى المربع الأول مع ما يحمله ذلك من مخاطر مفتوحة على كافة الاحتمالات.



