
تطوير العمل الوقفي لخدمة ضيوف الرحمن: شراكات وأبحاث بمكة
في خطوة هامة نحو تعزيز الخدمات المقدمة لقاصدي بيت الله الحرام، شهدت مكة المكرمة انطلاق أعمال “مركز الأوقاف المكية” وندوته العلمية المصاحبة تحت عنوان “الأوقاف المكية في خدمة ضيوف الرحمن”، وذلك برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز آل سعود، نائب أمير منطقة مكة المكرمة. يهدف هذا الحدث إلى إرساء أسس متينة لـ تطوير العمل الوقفي لخدمة ضيوف الرحمن، من خلال تضافر الجهود البحثية وتكامل الشراكات بين مختلف الجهات الفاعلة في القطاع الوقفي، بما يتماشى مع المكانة التاريخية والدينية للمدينة المقدسة.
إرث تاريخي عريق ورؤية مستقبلية واعدة
لم تكن خدمة الحجاج والمعتمرين وليدة اللحظة، بل هي إرث إسلامي عريق تجذّر في مكة المكرمة عبر العصور. فالوقف الإسلامي كان ولا يزال الركيزة الأساسية في توفير سبل الراحة والطمأنينة لضيوف الرحمن. منذ فجر الإسلام، سارع المسلمون إلى وقف الأصول من أراضٍ وآبار ومبانٍ لتوفير السقاية (توفير الماء) والرفادة (توفير الطعام) والمأوى للحجاج. وتُعد عين زبيدة، التي أمرت بإنشائها السيدة زبيدة زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، من أشهر الأوقاف المائية التاريخية التي خدمت الملايين على مر القرون. هذه الجهود التاريخية تمثل الأساس الذي تنطلق منه المبادرات المعاصرة، والتي تسعى إلى الانتقال من العمل الفردي إلى منظومة مؤسسية متكاملة ومستدامة.
نحو منظومة مستدامة: تطوير العمل الوقفي لخدمة ضيوف الرحمن
تأتي هذه المبادرات في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030، والتي تضع خدمة ضيوف الرحمن على رأس أولوياتها. وأوضح محافظ الهيئة العامة للأوقاف، الأستاذ عماد بن صالح الخراشي، أن القطاع الوقفي شهد نقلات نوعية بفضل تطوير الأنظمة والحوكمة ورفع كفاءة الاستثمار. وأكد أن مركز الأوقاف المكية يمثل منصة حيوية تجمع الواقفين والخبراء والجهات التنموية لتعظيم الأثر الوقفي المستدام، مشيراً إلى أن الهيئة تتبنى استراتيجية لتمكين المناطق من تنمية أوقافها ودعم الأذرع الوقفية المتخصصة كشركاء في تحقيق مستهدفات التنمية.
أوراق علمية تستشرف المستقبل
شكلت الندوة العلمية منصة فكرية ثرية، حيث تم استعراض 13 ورقة علمية ناقشت محاور متنوعة. تناولت الجلسة الأولى، بعنوان “الأوقاف المكية وخدمة ضيوف الرحمن.. تاريخ مجيد”، الإرث الحضاري للأوقاف المائية وأوقاف الإيواء والضيافة عبر التاريخ. فيما ركزت الجلسة الثانية على “نماذج معاصرة”، حيث استعرضت تجارب رائدة لمؤسسات أهلية وشركات خيرية في خدمة الحجاج، مثل مشروع “مبرة منى” الذي وفر أكثر من 24 مليون لتر من المياه المبردة، وتجربة تمكين أكثر من 40 ألف مسلم جديد من أداء فريضة الحج. أما الجلسة الختامية، فقد حملت عنوان “الابتكار الوقفي”، وطرحت أفكاراً مستقبلية تعتمد على التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي واستخدام السيور المتحركة لتيسير تنقل الحجاج في المشاعر المقدسة.
شراكات استراتيجية لتعظيم الأثر
تُوّج الحدث بتوقيع 6 اتفاقيات شراكة استراتيجية بين مركز الأوقاف المكية وجهات وقفية رائدة، منها الهيئة العامة للأوقاف، وأوقاف الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز، ومؤسسة السبيعي الأهلية، وجامعة أم القرى، والوقف العلمي بجامعة الملك عبدالعزيز. تهدف هذه الشراكات إلى تعزيز التكامل المؤسسي، ودعم الدراسات والبحوث المتخصصة، وتبادل الخبرات، وتطوير مبادرات نوعية تخدم ضيوف الرحمن بشكل مباشر، مما يضمن تحويل الأفكار البحثية إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.
وفي ختام أعماله، كرّم المركز الجهات المشاركة والداعمة والمتحدثين، تقديراً لإسهاماتهم العلمية التي أثرت النقاش وأسهمت في رسم ملامح مستقبل العمل الوقفي في أطهر بقاع الأرض لخدمة ضيوفها.


