
مصر وهاجس تهجير الفلسطينيين: قلق متزايد رغم تطمينات واشنطن
تتصدر قضية تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة المشهد السياسي في مصر، حيث تظل القاهرة متمسكة بموقفها الرافض بشكل قاطع لأي محاولة لدفع سكان القطاع نحو سيناء، معتبرة إياه خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. وعلى الرغم من الضمانات والتطمينات المتكررة التي تصدر عن الإدارة الأمريكية، فإن الهواجس المصرية لا تزال قائمة بل وتتزايد، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتدهور الأوضاع الإنسانية إلى مستويات كارثية، مما يغذي المخاوف من أن تتحول السيناريوهات الأسوأ إلى حقيقة على أرض الواقع.
جذور الموقف المصري: أمن قومي وذاكرة تاريخية
لا ينبع الموقف المصري الحازم من فراغ، بل يستند إلى جذور تاريخية عميقة وإلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي في المقام الأول. فالذاكرة العربية والمصرية لا تزال مثقلة بآثار نكبة عام 1948، التي أدت إلى تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين، وما تلاها من أحداث أدت إلى تغيير ديموغرافي وجغرافي في المنطقة. وتنظر مصر إلى أي محاولة لتهجير جماعي جديد على أنها “نكبة ثانية” تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، وذلك عبر إلقاء العبء الإنساني والسياسي والأمني على عاتق مصر.
من منظور استراتيجي، تعتبر القاهرة أن تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى شبه جزيرة سيناء سيؤدي إلى خلق واقع أمني معقد يصعب السيطرة عليه، خاصة في منطقة بذلت فيها الدولة المصرية جهوداً وتضحيات هائلة على مدى سنوات للقضاء على الإرهاب وترسيخ الاستقرار. وبالتالي، فإن الحفاظ على سيناء آمنة ومستقرة هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وهو ما يجعل فكرة توطين الفلسطينيين فيها أمراً مرفوضاً بالمطلق.
لماذا يمثل تهجير الفلسطينيين خطراً على الاستقرار الإقليمي؟
تتجاوز تداعيات سيناريو التهجير حدود مصر لتهدد الاستقرار الإقليمي برمته. فمثل هذا التطور من شأنه أن يضع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، التي شكلت حجر الزاوية للاستقرار في الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود، في مهب الريح. وقد صرح المسؤولون المصريون في مناسبات عدة بأن أي خطوة عملية نحو دفع الفلسطينيين عبر الحدود قد تؤدي إلى تعليق أو إلغاء المعاهدة، وهو ما سيفتح الباب أمام احتمالات نزاع أوسع نطاقاً.
على الصعيد الدبلوماسي، تقود مصر تحركات مكثفة مع الشركاء الإقليميين والدوليين للتأكيد على رفضها القاطع لسياسات التهجير القسري. وتكمن أهمية الموقف المصري في كونه يعبر عن إجماع عربي واسع، ويشكل جدار الصد الرئيسي أمام تحقيق مثل هذه المخططات. ورغم أن واشنطن تؤكد رسمياً معارضتها للتهجير، إلا أن استمرار دعمها غير المحدود لإسرائيل يثير شكوكاً في القاهرة حول مدى قدرة أو رغبة الولايات المتحدة في ممارسة ضغط حقيقي لمنع وقوع الكارثة، مما يبقي الهواجس المصرية في أعلى مستوياتها.



