
التطبيع الشعبي: لماذا يرفض المصريون السلام مع إسرائيل؟
على الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على توقيع معاهدة السلام التاريخية بين مصر وإسرائيل، لا يزال مفهوم التطبيع الشعبي يمثل الحاجز الأكثر صلابة في وجه علاقة طبيعية كاملة بين البلدين. فبينما تتعاون الحكومات على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، يظل الشارع المصري، بقطاعاته الواسعة، رافضًا لأي شكل من أشكال التقارب الثقافي أو الاجتماعي مع إسرائيل، مما يخلق واقعًا فريدًا يُعرف بـ “السلام البارد”.
جذور الرفض: سلام على الورق وذاكرة مثقلة بالحروب
لفهم عمق هذا الرفض، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية التي شكلت الوعي الجمعي المصري. خاضت مصر عدة حروب ضد إسرائيل منذ عام 1948، تركت ندوبًا عميقة في الذاكرة الوطنية. هذه الصراعات، التي قُدمت على أنها معارك وجودية دفاعًا عن الأرض والكرامة العربية، رسخت صورة إسرائيل كـ”العدو” في أذهان أجيال من المصريين. وعندما وقع الرئيس الراحل أنور السادات على اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، تبعتها معاهدة السلام في 1979، كان القرار مدفوعًا بحسابات استراتيجية وسياسية تهدف إلى استعادة سيناء وإنهاء حالة الحرب المكلفة. ورغم أن المعاهدة حققت هدفها الرسمي، إلا أنها لم تتمكن من محو عقود من العداء من الوجدان الشعبي، خاصة مع استمرار القضية الفلسطينية دون حل، والتي يعتبرها المصريون قضيتهم المركزية.
مظاهر المقاومة ورفض التطبيع الشعبي في مصر
يتجلى رفض التطبيع الشعبي في مختلف جوانب الحياة المصرية. تقف النقابات المهنية، مثل نقابات الصحفيين والمحامين والممثلين، كخط دفاع أول ضد أي تواصل مهني مع نظرائهم في إسرائيل، وتفرض عقوبات صارمة على أعضائها الذين يخالفون هذا العرف الراسخ. وفي عالم الفن والثقافة، لطالما لعبت السينما والدراما المصرية دورًا محوريًا في تعزيز السردية الوطنية، حيث غالبًا ما تُصور إسرائيل ككيان معادٍ. كما تمتد هذه المقاومة إلى الملاعب الرياضية، حيث يرفض رياضيون مصريون بشكل متكرر مواجهة لاعبين إسرائيليين في المحافل الدولية، في مواقف تحظى بدعم شعبي جارف، حتى لو كلفهم ذلك خسارة ألقاب عالمية.
بين المصالح الرسمية والنبض الشعبي: مستقبل العلاقات
تعيش العلاقة المصرية الإسرائيلية حالة من الازدواجية؛ فعلى المستوى الرسمي، هناك تنسيق أمني عالي المستوى، خاصة في سيناء، بالإضافة إلى صفقات اقتصادية استراتيجية، أبرزها في مجال الطاقة والغاز الطبيعي. هذه المصالح تضمن استمرارية “السلام البارد” واستقراره. لكن هذا الواقع الرسمي يصطدم باستمرار بالنبض الشعبي الرافض. هذا الرفض لا يمثل مجرد مشاعر عابرة، بل هو جزء من الهوية الوطنية المصرية المعاصرة، مرتبط بقوة بمشاعر التضامن مع الشعب الفلسطيني. وحتى مع موجة التطبيع الجديدة التي شهدتها المنطقة عبر “الاتفاقيات الإبراهيمية”، ظل الموقف الشعبي في مصر ثابتًا، ليؤكد أن السلام الرسمي شيء، والقبول الشعبي شيء آخر تمامًا، وأن حاجز التطبيع الشعبي لم ينكسر بعد.



