
التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا: تحالف استراتيجي جديد
في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في خريطة التحالفات الإقليمية، يتصاعد التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا بوتيرة متسارعة، مدفوعاً بحالة من عدم الاستقرار التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط. هذا الحراك، الذي يأتي بعد عقد من الفتور في العلاقات، لا يمثل مجرد عودة للعلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها، بل يؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة القائمة على المصالح المشتركة والرغبة في مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة بشكل منسق.
من التوتر إلى التقارب: مسار جديد للعلاقات المصرية التركية
لم يكن التقارب المصري التركي وليد اللحظة، بل هو نتاج عملية دبلوماسية هادئة بدأت منذ سنوات لتجاوز الخلافات التي أعقبت عام 2013. كانت العلاقات بين القاهرة وأنقرة قد وصلت إلى أدنى مستوياتها، مع وجود مواقف متباينة تجاه العديد من الملفات الإقليمية، أبرزها الأزمة الليبية والتنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط. ومع ذلك، أدرك البلدان أن استمرار حالة التوتر لا يخدم مصالحهما الاستراتيجية على المدى الطويل. بدأت بوادر الانفراج مع تبادل الرسائل الإيجابية، تلتها اجتماعات على مستويات استخباراتية ودبلوماسية، وصولاً إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل السفراء، وتوجت بزيارات رئاسية متبادلة أعطت زخماً قوياً لمسار الشراكة الجديد.
ملفات إقليمية ملحة تدفع نحو تعزيز التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا
تُعد الاضطرابات المحيطة بالبلدين المحرك الرئيسي لهذا التقارب. ففي شرق المتوسط، يسعى البلدان إلى ترسيم الحدود البحرية بشكل يضمن حقوق كل منهما في موارد الطاقة، مما يتطلب تنسيقاً أمنياً وعسكرياً لمنع أي احتكاكات مستقبلية. أما في ليبيا، التي كانت ساحة للتنافس، فقد تحول الموقف إلى رغبة مشتركة في دعم مسار الحل السياسي وتوحيد المؤسسة العسكرية، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون تفاهمات أمنية عميقة بين القاهرة وأنقرة، اللاعبين الأكثر تأثيراً في المشهد الليبي.
إضافة إلى ذلك، يفرض الوضع في قطاع غزة والتوترات في البحر الأحمر تحديات مشتركة. كلا البلدين لهما دور محوري في جهود الوساطة وتقديم المساعدات الإنسانية، كما يتأثر اقتصادهما بشكل مباشر بأمن الملاحة في قناة السويس ومضيق باب المندب. هذا الواقع يعزز من أهمية التنسيق في مجال الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والتهديدات غير التقليدية. ولا يمكن إغفال الاهتمام المصري بالتكنولوجيا العسكرية التركية، خاصة في مجال الطائرات المسيرة التي أثبتت فعاليتها في صراعات حديثة، مما يفتح الباب أمام صفقات تسليح ونقل تكنولوجيا وحتى تصنيع مشترك.
تأثيرات استراتيجية على موازين القوى الإقليمية
إن الشراكة الدفاعية المتنامية بين مصر وتركيا، وهما قوتان إقليميتان وازنتان، من شأنها أن تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. هذا التحالف يمكن أن يخلق محوراً جديداً قادراً على تحقيق الاستقرار في مناطق النزاع، ويقلل من حدة الاستقطاب الذي ساد المنطقة خلال العقد الماضي. على الصعيد الدولي، يُنظر إلى هذا التقارب كخطوة إيجابية تساهم في احتواء الأزمات بدلاً من تأجيجها. اقتصادياً، يفتح التعاون العسكري آفاقاً واسعة للاستثمارات المشتركة في الصناعات الدفاعية، مما يعزز من القدرات الذاتية للبلدين ويقلل من اعتمادهما على الموردين الخارجيين، ويساهم في تحقيق طفرة اقتصادية تعود بالنفع على شعبيهما.



