
تمكين المكفوفين في السعودية: تحديات وحلول ضمن رؤية 2030
نحو مجتمع حيوي وشامل: أولويات تمكين المكفوفين في ضوء رؤية 2030
في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بتحقيق مجتمع شامل ومستدام، تتواصل الجهود والمقترحات لتعزيز تمكين المكفوفين وذوي الإعاقة البصرية في المملكة العربية السعودية. يأتي هذا الحراك متوافقًا مع التطور الملحوظ في مستوى الخدمات المقدمة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في القطاعات الحيوية كالصحة والمطارات والجهات الحكومية، والتي تندرج ضمن مستهدفات رؤية 2030 الرامية إلى تحسين جودة الحياة وضمان العدالة في توزيع الخدمات لجميع أفراد المجتمع دون استثناء.
تاريخيًا، شهدت المملكة تحولات جذرية في مجال رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، بدءًا من توفير الرعاية الأساسية وصولًا إلى مرحلة التمكين والدمج الكامل. وقد شكل إطلاق رؤية 2030 نقطة تحول محورية، حيث وضعت برامج جودة الحياة وتنمية القدرات البشرية هذه الفئة في صميم أولوياتها. لم يعد الهدف مقتصرًا على تقديم الدعم، بل امتد ليشمل إزالة العوائق التي تحول دون مشاركتهم الفاعلة في التنمية الوطنية، وهو ما يعزز من مكانة المملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي كنموذج رائد في مجال الحقوق والشمولية.
تحديات الوصول الشامل: جسر نحو الاستقلالية اليومية
أكد الدكتور عبد الرزاق التركي، وهو من فاقدي البصر، أن أبرز التحديات التي تواجه المكفوفين تتمثل في العوائق الحضرية في المرافق العامة. وأوضح أن عدم تهيئة الممرات والأرصفة بشكل مناسب، بالإضافة إلى ضعف تطبيق معايير “الوصول الشامل”، يشكلان عقبة أساسية أمام تحقيق استقلاليتهم اليومية. ودعا إلى تكامل الجهود بين الأمانات والجهات المعنية والقطاع الخاص لتبني سياسات واضحة تضمن تطبيق هذه المعايير في كافة المشاريع الجديدة والقائمة، مشيرًا إلى أن تمكين المكفوفين ليس خيارًا، بل ضرورة تنموية ومجتمعية تتطلب تضافر الجهود لتحقيق اندماج فعّال ومستدام.
من جانبه، لفت محمد يسلم إلى أن فئة ذوي الإعاقة البصرية تعيش مرحلة مهمة في ظل مستهدفات الرؤية، لكنه شدد على أن وتيرة العمل لا تزال أبطأ من الطموح. وأضاف أن هناك حاجة ملحة لتسريع تنفيذ المبادرات لتشمل جميع المرافق دون استثناء، وتعميم معايير الوصول الشامل في كافة المواقع التي يرتادها الأفراد يوميًا، مثل المساجد، والحدائق، والمستشفيات، والمجمعات التجارية، والمطاعم، والمقاهي، لضمان إدماجهم الكامل في الحياة العامة.
نحو تمكين المكفوفين مهنياً: الفرص والتأهيل
تتجاوز مطالب فاقدي البصر مجرد تهيئة البنية التحتية، لتشمل منظومة متكاملة من التمكين تبدأ بالتأهيل والتدريب وتنتهي ببيئة حضرية داعمة. وفي هذا السياق، أشارت لمى العايدي إلى أن المجتمع يضم أعدادًا كبيرة من المكفوفين المؤهلين علميًا من حملة شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في محدودية الفرص الوظيفية المتاحة لهم. وأوضحت أن بعض الجهات لا تزال مترددة في توظيف ذوي الإعاقة رغم كفاءتهم، مطالبة بتوفير برامج تدريبية متخصصة في التقنيات المساعدة مثل “VoiceOver” وأدوات الوصول الرقمي، لتزويدهم بالمهارات اللازمة للانخراط في مختلف الوظائف بكفاءة واقتدار.
وأضافت نوف الدوسري أن الخدمات المقدمة لذوي الإعاقة البصرية شهدت تطورًا ملحوظًا، لكن هذا التقدم لا يلغي الحاجة إلى مزيد من الجهود لتحقيق تكافؤ الفرص، خصوصًا في الجانبين الوظيفي والتعليمي. وأشارت إلى أن بعض الجامعات لا تزال تفرض قيودًا على قبولهم في تخصصات معينة، داعية إلى فتح المجال بشكل أوسع أمامهم لتحقيق المساواة الكاملة مع أقرانهم.
تكامل الجهود لتحقيق العدالة الوظيفية والمجتمعية
أكدت العايدي على الدور الإيجابي الذي تقوم به بعض الجمعيات مثل “نقطة تحول”، لكنها شددت على أن هذه الجهود تحتاج إلى توسع أكبر وشراكات أوسع مع القطاعين الحكومي والخاص. وبيّنت أن الأنظمة والتشريعات في المملكة، خاصة نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، أسهمت في إحداث نقلة نوعية عبر إلزام الجهات بنسبة توظيف محددة، مما يمثل بداية إيجابية نحو تحقيق العدالة الوظيفية. فالاستثمار في قدراتهم هو استثمار في طاقات مبدعة قادرة على الإسهام بفاعلية في التنمية الوطنية.
بدوره، ذكر عبد الرحمن عبد الملك أن تمكين هذه الفئة يبدأ من تهيئة بيئة متكاملة تدعم استقلاليتهم في التنقل. وأشار إلى أهمية توفير عناصر إرشادية واضحة مثل المسارات الأرضية البارزة التي تتوافق مع استخدام العصا البيضاء، والخرائط اللمسية داخل المنشآت، وتعميم استخدام لغة برايل في المصاعد وقوائم الطعام بالفنادق والمطاعم، مما يعزز من تجربة المستخدم الكفيف ويجعلها أكثر استقلالية وراحة.



