
الحوثيون يغذون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب
تشهد محافظة إب في وسط اليمن تصاعداً ملحوظاً في وتيرة النزاعات القبلية، وهو تصاعد لا يبدو عفوياً بل يأتي ضمن استراتيجية ممنهجة تتبعها جماعة الحوثي لترسيخ سيطرتها وإحكام قبضتها الأمنية والعسكرية على المحافظة. تعتمد هذه الاستراتيجية على إذكاء الخلافات القديمة وتغذية الثارات بين القبائل، مما يؤدي إلى إنهاك القوى المجتمعية وإشغالها بصراعات داخلية تمنعها من التوحد أو تشكيل أي جبهة معارضة لسلطة الأمر الواقع.
السياق العام والخلفية التاريخية للحدث
منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء وتمددها نحو المحافظات الأخرى في أواخر عام 2014، شكلت محافظة إب، المعروفة بـ “اللواء الأخضر”، أهمية استراتيجية كبرى نظراً لموقعها الجغرافي الرابط بين شمال اليمن وجنوبه، وكثافتها السكانية العالية. تاريخياً، اتسمت إب بطبيعة مسالمة نسبياً مقارنة بمناطق الصراع القبلي التقليدي في أقصى الشمال، إلا أن التركيبة القبلية لا تزال تلعب دوراً مهماً في الديناميكيات الاجتماعية. ومع إدراك الحوثيين لصعوبة السيطرة المطلقة بالاعتماد على القوة العسكرية وحدها، لجأوا إلى سياسة “فرّق تسد”، وهي سياسة تاريخية استخدمتها العديد من السلطات المتعاقبة، ولكن تم تفعيلها بشكل أعمق وأكثر دموية في السنوات الأخيرة لضمان عدم تشكل أي مقاومة شعبية.
آليات تغذية النزاعات القبلية في إب
تتعدد الأساليب التي تستخدمها جماعة الحوثي لتغذية هذه النزاعات في إب. تشير التقارير الحقوقية والمحلية إلى قيام مشرفي الجماعة بدعم أطراف النزاع بالأسلحة والذخائر، وغض الطرف عن التحشيد المسلح، بل والتدخل أحياناً لصالح طرف ضد آخر لضمان استمرار حالة اللاحسم. كما يتم استغلال الخلافات على الأراضي والعقارات، وهي من أبرز مسببات النزاع في إب، لتحويلها إلى صراعات مسلحة طاحنة. هذا النهج لا يضعف القبائل فحسب، بل يجعل من قيادات الحوثي المرجعية الوحيدة للوساطة والحل، مما يمنحهم نفوذاً اجتماعياً وسياسياً إضافياً ومكاسب مالية طائلة.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع محلياً وإقليمياً
على المستوى المحلي، يؤدي هذا النهج إلى تمزيق النسيج الاجتماعي اليمني، وسقوط المئات من الضحايا الأبرياء، وتدمير الممتلكات، فضلاً عن خلق بيئة طاردة للاستقرار والتنمية. إن استمرار الثارات يولد أجيالاً مشبعة بالكراهية، مما يعقد أي جهود مستقبلية للمصالحة الوطنية والتعايش السلمي. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن استمرار هذه الفوضى الموجهة يعكس مدى تعقيد الأزمة اليمنية، ويؤكد أن جماعة الحوثي تسعى لتأسيس بنية تحتية للصراع المستدام، مما يقوض جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة والأطراف الإقليمية. إن تحويل المجتمع إلى كانتونات متناحرة يخدم أجندة إطالة أمد الحرب، ويجعل من الصعب تطبيق أي اتفاقيات سلام شاملة على أرض الواقع.
في الختام، تمثل سياسة إذكاء النزاعات القبلية في محافظة إب نموذجاً مصغراً لما تعانيه العديد من المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين. إن مواجهة هذه الاستراتيجية تتطلب وعياً مجتمعياً متزايداً من قبل زعماء القبائل والوجاهات الاجتماعية لتفويت الفرصة على محاولات التمزيق، والعمل على حل الخلافات عبر الطرق العرفية والسلمية بعيداً عن التدخلات التي تسعى لاستثمار الدماء من أجل مكاسب سياسية وسلطوية ضيقة.



