
اكتمال صناعة كسوة الكعبة المشرفة على أطول ماكينة خياطة
في مشهد يجسد أسمى معاني العناية والتقدير لبيت الله الحرام، أعلن مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة في مكة المكرمة عن اكتمال المراحل النهائية لإنتاج وصناعة كسوة الكعبة المشرفة الجديدة، استعدادًا لموسم الحج لعام 1446هـ. ويأتي هذا الإنجاز السنوي تتويجًا لجهود متواصلة تجمع بين دقة الحرفية اليدوية المتوارثة وأحدث التقنيات المتقدمة، ليعكس الاهتمام الفائق الذي توليه المملكة العربية السعودية للحرمين الشريفين.
إرث تاريخي من العناية والتشريف
تعتبر كسوة الكعبة تقليدًا إسلاميًا عريقًا وشرفًا عظيمًا تنافست على نيله الدول الإسلامية على مر العصور. يعود تاريخ كسوة الكعبة إلى ما قبل الإسلام، واستمر هذا التقليد وتطور في العهد الإسلامي ليصبح رمزًا لتعظيم بيت الله الحرام. وعلى مدى قرون، كانت الكسوة تُرسل من مصر والشام وغيرها من الحواضر الإسلامية. إلا أنه في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، تم تأسيس دار خاصة لصناعة الكسوة في مكة المكرمة عام 1346هـ (1927م)، لتستقر هذه الصناعة المباركة في أرض الحرمين، وتتولى المملكة شرف صناعتها بالكامل، مما يضمن استخدام أجود المواد وأفضل الخبرات في هذا العمل الجليل.
حرفية دقيقة وتقنيات متطورة في صناعة كسوة الكعبة المشرفة
تبدأ رحلة صناعة الثوب الأغلى في العالم بمراحل دقيقة ومعقدة، حيث يتم استخدام أجود أنواع الحرير الطبيعي الذي يُصبغ باللون الأسود الفاحم. يتكون الثوب من 53 قطعة قماشية، تُطرّز عليها آيات قرآنية وزخارف إسلامية بخيوط من الذهب والفضة. وأوضح رئيس قسم تجميع وخياطة الكسوة، صلاح عبد الله السلمي، أن عملية التجميع تبدأ بتثبيت البطانة الداخلية المصنوعة من القطن الأبيض المتين على كل جهة من جهات الكعبة الأربع. بعد ذلك، يتم تثبيت قماش الحرير الأسود المنقوش فوق هذه البطانة، حيث يبلغ طول كل قطعة حريرية حوالي 14 مترًا وعرضها مترًا واحدًا، وتُجمع هذه القطع معًا بتسلسل هندسي دقيق لتشكل أجزاء الثوب كاملة. وتتم هذه المرحلة الحاسمة باستخدام أطول ماكينة خياطة في العالم، والتي تعمل بتقنيات تحكم متقدمة تعتمد على أنظمة الليزر لضمان دقة مسارات الإبرة والخيوط، مما يحقق أعلى درجات الاستقامة والانضباط في تجميع أجزاء الكسوة، ويضمن إخراجها بأبهى حلة تليق بمكانة هذا العمل الإسلامي الفريد.
رمزية دينية وأهمية عالمية
تحمل كسوة الكعبة المشرفة أهمية رمزية كبرى لدى أكثر من ملياري مسلم حول العالم، فهي ليست مجرد غطاء، بل هي تجسيد للإجلال والتعظيم لأقدس بقاع الأرض. ويحظى موعد استبدال الكسوة القديمة بالجديدة، الذي يتم في اليوم الأول من شهر محرم من كل عام هجري، بمتابعة واهتمام إعلامي وشعبي واسع. هذا الحدث لا يبرز القدرة الفنية والتقنية للمملكة فحسب، بل يؤكد أيضًا على دورها الريادي في خدمة الإسلام والمسلمين ورعاية المقدسات الإسلامية، وهو ما يعزز مكانتها على الساحتين الإقليمية والدولية.


