
دليل تقسيم الأراضي بمكة: اعتماد المخططات السكنية بـ60 يوماً
في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم الملامح العمرانية للعاصمة المقدسة، أعلنت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة عن إطلاق مسودة «دليل المعايير الفنية لتقسيمات الأراضي». يهدف هذا الدليل الشامل إلى توفير إطار تنظيمي حديث ومستدام لتقسيم وتصميم الأراضي، مع تحديد مدة زمنية قياسية لا تتجاوز 60 يوماً لاعتماد المخططات السكنية الخاصة، مما يعكس توجهاً جاداً نحو تسريع عجلة التنمية وتسهيل الإجراءات على المطورين العقاريين.
السياق التاريخي وأهمية التخطيط العمراني في مكة
تأتي هذه المبادرة في سياق تاريخي وجغرافي بالغ الأهمية؛ فمدينة مكة المكرمة تتميز بتضاريسها المعقدة التي تجمع بين الجبال الشاهقة والأودية العميقة، مما جعل التخطيط العمراني فيها تحدياً تاريخياً مستمراً. ومع انطلاق رؤية السعودية 2030، برزت الحاجة الملحة لتطوير بنية تحتية تتواكب مع الزيادة المستهدفة في أعداد ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين، فضلاً عن تلبية احتياجات النمو السكاني المحلي. لذلك، يمثل هذا الدليل مرجعاً تنظيمياً متكاملاً لتحسين جودة الحياة ورفع كفاءة البنية التحتية، بما يتواءم مع المخطط الشامل للمدينة ومستهدفات التنمية المستدامة.
وقد أوضحت الوثيقة الرسمية أن النطاق الجغرافي لتطبيق هذه المعايير يشمل كافة المشاريع التطويرية والمخططات الجديدة والإضافات داخل النطاق الإشرافي المباشر للهيئة الملكية، مع استثناء صريح لـ «المنطقة المركزية» و«منطقة المشاعر المقدسة» نظراً لطبيعتهما الدينية الخاصة وتنظيماتهما المستقلة.
معايير دقيقة لمساحات الأراضي واستقطاعات الخدمات
على الصعيد الفني، وضع الدليل معايير دقيقة تتناسب مع مختلف مساحات الأراضي، بدءاً من القطع الصغيرة التي تقل عن 10 آلاف متر مربع، وصولاً إلى الحيازات الكبرى التي تتجاوز مليوني متر مربع، مع تحديد حزمة الخدمات العامة المطلوبة لكل فئة. ولضمان توفير بيئة عمرانية متكاملة وصحية، ألزمت الهيئة المطورين باستقطاع نسبة 33.33% كمساحة تخطيطية نظامية مجانية من إجمالي مساحة المخططات، تُخصص لإنشاء الشوارع، الحدائق، والمواقف العامة. كما تم إقرار تخصيص 1% لصالح الهيئة كاحتياطي استراتيجي لمشاريع التطوير الحضري المستقبلي.
أنماط تخطيطية مبتكرة لمواجهة التحديات الجغرافية
ولمواجهة التحديات الطبوغرافية، صنف الدليل مناطق التنمية العمرانية إلى فئات متجانسة تشمل المناطق الحضرية القديمة (ما قبل 1973)، المناطق المنبسطة، الجبلية، ومناطق الأودية، بالإضافة إلى المناطق اللوجستية والصناعية. واعتمد الدليل أربعة أنماط تخطيطية أساسية ملائمة لطبيعة العاصمة المقدسة: «النمط العضوي» المتكيف مع الجبال والأودية، «النمط العنقودي»، «النمط الشبكي»، و«النمط الشريطي» المخصص للاستعمالات المختلطة على المحاور الرئيسية. كما حددت المعايير عروض الشوارع السكنية لتبدأ من 15 متراً كحد أدنى في المناطق منخفضة الكثافة، وتصل إلى 40 متراً في مناطق الخدمات العامة والمستشفيات لضمان انسيابية الحركة المرورية وسلامة المشاة.
حوكمة الإجراءات ودراسات تفصيلية للاعتماد
وفي إطار الحوكمة والشفافية، ألزم الدليل المطورين بتقديم دراسات تفصيلية عميقة قبل الاعتماد، تشمل التحليل الطبوغرافي، مسارات مجاري السيول، والتأثيرات البيئية، مع تقديم ثلاثة بدائل تخطيطية على الأقل لكل مشروع لدعم قرارات التصميم المستدام. ولتسريع الإنجاز، تم استحداث ثلاثة مسارات محدثة لاعتماد المخططات خلال 60 يوماً، تتدرج بين الاعتماد الابتدائي، الإفراغ المتدرج، والاعتماد النهائي قبل التنفيذ.
كما حذرت المسودة بصرامة من أي محاولات لتجزئة قطع الأراضي المعتمدة لاحقاً، مشددة على ضرورة إثبات شرط عدم القابلية للتجزئة كملحوظة إلزامية ضمن المخطط النهائي للحفاظ على الكثافات السكانية المقررة. واختتمت الهيئة وثيقتها بالتأكيد على خضوع الدليل للتحديث المستمر كل ثلاث سنوات لمواكبة المتغيرات العمرانية المتسارعة، مما يضمن استدامة التأثير الإيجابي محلياً وإقليمياً، وتقديم نموذج حضري يليق بمكانة مكة المكرمة العالمية.



