economy

تأثير التوترات على اتفاقية الغاز بين مصر وإسرائيل

تثير التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً تلك التي تلقي بظلالها على العلاقات بين مصر وإسرائيل، تساؤلات جوهرية حول مصير واستدامة اتفاقيات الطاقة الاستراتيجية الموقعة بين الجانبين. ومع تصاعد الأحداث الجيوسياسية، يتجه أنظار المحللين الاقتصاديين والسياسيين نحو «اتفاقية الغاز» التي تعد الركيزة الأساسية للتعاون الاقتصادي الحالي بين البلدين، لتقييم مدى قدرة المصالح الاقتصادية المشتركة على الصمود أمام العواصف السياسية والأمنية.

خلفية تاريخية: من التوقيع إلى الشراكة الاستراتيجية

تعود جذور التعاون الحالي في ملف الغاز إلى الاتفاقيات الضخمة التي تم توقيعها في عام 2018 بقيمة تجاوزت 15 مليار دولار (وتمت زيادتها لاحقاً)، والتي بموجبها بدأت إسرائيل تصدير الغاز الطبيعي من حقلي «تمار» و«ليفياثان» إلى مصر في مطلع عام 2020. لم يكن هذا الاتفاق مجرد صفقة تجارية، بل كان حجر الزاوية في طموح مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، مستفيدة من بنيتها التحتية القوية التي تشمل محطتي إسالة الغاز في «إدكو» و«دمياط»، وهما الوحيدتان من نوعهما في شرق المتوسط القادرتان على تصدير الغاز المسال إلى أوروبا.

أهمية الاتفاقية: معادلة الاعتماد المتبادل

تكتسب هذه الاتفاقية أهمية قصوى للطرفين تجعل من الصعب التخلي عنها بسهولة. بالنسبة لمصر، يمثل الغاز الإسرائيلي رافداً مهماً لتلبية الطلب المحلي المتزايد على الطاقة، بالإضافة إلى كونه مادة خام ضرورية لإعادة التسييل والتصدير، مما يوفر للبلاد عملة صعبة هي في أمس الحاجة إليها. أما بالنسبة لإسرائيل، فتعتبر مصر المنفذ التجاري الأهم والأكثر جدوى لتصدير فائض إنتاجها من الغاز، حيث تفتقر إسرائيل إلى بنية تحتية مستقلة لتسييل الغاز وتصديره إلى الأسواق العالمية البعيدة.

البعد الدولي: أوروبا وأمن الطاقة

لا يمكن قراءة مستقبل هذه الاتفاقية بمعزل عن السياق الدولي، وتحديداً الأزمة الأوروبية في مجال الطاقة التي تفاقمت عقب الحرب الروسية الأوكرانية. لقد أصبحت منطقة شرق المتوسط، وعبر البوابة المصرية، بديلاً استراتيجياً لأوروبا لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي. وقد توج هذا التوجه بتوقيع مذكرة تفاهم ثلاثية في القاهرة بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي لزيادة صادرات الغاز إلى القارة العجوز. هذا البعد الدولي يضفي نوعاً من الحماية الدولية للاتفاقية، حيث تضغط القوى الغربية للحفاظ على تدفق الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد.

التحديات الأمنية والسيناريوهات المتوقعة

رغم المتانة الاقتصادية للاتفاق، فإن المخاطر الأمنية تظل حاضرة. ففي أوقات النزاع، قد تضطر الشركات المشغلة لحقول الغاز (مثل شيفرون) إلى إيقاف الإنتاج مؤقتاً لأسباب أمنية، كما حدث في عدة مناسبات سابقة، مما يؤثر على الكميات المتدفقة إلى مصر. ومع ذلك، يرى الخبراء أن «البرغماتية الاقتصادية» غالباً ما تتغلب على الخلافات السياسية في هذا الملف تحديداً، نظراً للكلفة الباهظة لأي قطيعة محتملة على اقتصاديات البلدين وعلى أمن الطاقة الإقليمي.

ختاماً، بينما تضع التوترات السياسية العلاقات الدبلوماسية على المحك، يبدو أن اتفاقية الغاز تمتلك مقومات البقاء نظراً لتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية، إلا أنها ستظل عرضة للتذبذب والضغوط كلما ارتفعت وتيرة الأحداث الأمنية في المنطقة.

Related articles

Go to top button