Arab world

أزمة الإيجار القديم: لماذا يرفض المستأجرون السكن البديل؟

لا يزال ملف الإيجار القديم في مصر يمثل إحدى أكثر القضايا الاجتماعية والاقتصادية تعقيداً، حيث يواجه مقترح «السكن البديل» الذي تطرحه بعض الجهات كحل للأزمة رفضاً واسعاً من قبل قطاع كبير من المستأجرين. ورغم المحاولات المستمرة لفك الاشتباك التاريخي بين الملاك والمستأجرين، إلا أن الحلول المطروحة، وعلى رأسها الانتقال إلى وحدات سكنية في المدن الجديدة، لا تزال غير مغرية للكثيرين الذين يتمسكون بالبقاء في وحداتهم السكنية الحالية.

الجذور التاريخية للأزمة

لفهم أسباب هذا الرفض، يجب العودة إلى الوراء قليلاً، حيث تعود جذور أزمة الإيجار القديم إلى القوانين الاشتراكية التي صدرت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وتحديداً القوانين التي جمدت القيمة الإيجارية وامتدت عقود الإيجار لمدد غير محددة وتورث للأبناء. هذه القوانين، التي كانت تهدف في ذلك الوقت إلى حماية البعد الاجتماعي وتوفير السكن بأسعار زهيدة، تحولت مع مرور العقود وتغير الظروف الاقتصادية إلى عبء ثقيل على كاهل الملاك، وتسببت في تشوه كبير في السوق العقاري المصري.

لماذا يرفض المستأجرون السكن البديل؟

تتمحور فكرة «السكن البديل» حول توفير وحدات سكنية في المدن الجديدة (مثل 6 أكتوبر، بدر، والعبور) للمستأجرين مقابل إخلاء وحداتهم القديمة التي تقع غالباً في مناطق حيوية بقلب القاهرة والمحافظات الكبرى. ويرجع رفض المستأجرين لهذا العرض إلى عدة أسباب منطقية:

  • الموقع الجغرافي: يقطن معظم مستأجري الإيجار القديم في مناطق وسط البلد والأحياء العريقة التي تتوفر فيها كافة الخدمات وشبكات المواصلات، بينما يعتبرون الانتقال إلى المدن الجديدة نوعاً من «التهجير» إلى مناطق بعيدة عن مقار أعمالهم ومدارس أبنائهم وروابطهم العائلية.
  • البعد الاقتصادي: رغم انخفاض إيجارات الوحدات القديمة بشكل لا يتناسب مع الواقع الحالي، إلا أن الانتقال لسكن بديل قد يفرض أعباء مالية جديدة سواء في تكاليف النقل، الخدمات، أو حتى أقساط التمليك للوحدات الجديدة، وهو ما لا يقوى عليه الكثير من أصحاب الدخول المحدودة والمعاشات.
  • الارتباط الاجتماعي: يمثل الحي السكني القديم جزءاً من هوية السكان، حيث عاشوا فيه لعقود طويلة، ويمثل الخروج منه تفككاً للنسيج الاجتماعي الذي اعتادوا عليه.

التأثير الاقتصادي وتدهور الثروة العقارية

على الجانب الآخر، يلقي تمسك المستأجرين بالبقاء بظلاله القاتمة على الثروة العقارية في مصر. فبسبب تدني القيمة الإيجارية التي قد لا تتجاوز بضعة جنيهات في الشهر، يعجز الملاك عن صيانة العقارات، مما أدى إلى تدهور الحالة الإنشائية لآلاف المباني التراثية والسكنية، ووصل بعضها إلى مرحلة الانهيار. كما أن تجميد هذه الأصول يمنع ضخ استثمارات ضخمة في السوق العقاري، حيث تظل وحدات سكنية في أرقى المناطق خارج الدورة الاقتصادية الفعلية.

البحث عن حل تشريعي متوازن

تظل الكرة الآن في ملعب المشرع المصري، حيث يناقش مجلس النواب مقترحات متعددة لتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر بشكل تدريجي يضمن «السلم الاجتماعي». وتشمل المقترحات زيادة تدريجية في الإيجارات لتصل إلى القيمة السوقية العادلة خلال فترة زمنية محددة (فترة انتقالية)، مع إنشاء صندوق لدعم المستأجرين غير القادرين، بدلاً من الاعتماد فقط على خيار السكن البديل الذي أثبت عدم فاعليته كحل وحيد للأزمة.

Related articles

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Go to top button