
حماية الغطاء النباتي في السعودية: توثيق 492 غابة وتأهيل كوادر
شراكة استراتيجية لتعزيز الاستدامة البيئية
في خطوة محورية نحو تحقيق أهداف الاستدامة البيئية، كشفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) عن إنجازات بارزة لمشروع “التنمية الزراعية الريفية المستدامة” في المملكة العربية السعودية. أثمر التعاون الوثيق مع وزارة البيئة والمياه والزراعة والمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر عن توثيق ورسم خرائط دقيقة لـ 492 غابة، تمتد على مساحة إجمالية شاسعة تبلغ 613 ألف هكتار. تتوزع هذه الثروة الطبيعية في خمس مناطق حيوية هي: الباحة، وعسير، وجازان، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، مما يشكل أساساً متيناً لمواجهة التحديات المناخية ودعم التنوع البيولوجي.
السياق العام: ضمن رؤية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء
تأتي هذه الجهود في سياق أوسع تتبناه المملكة ضمن رؤية 2030، التي تضع حماية البيئة وتحقيق الاستدامة في صميم أولوياتها. يمثل هذا المشروع لبنة أساسية في تحقيق مستهدفات “مبادرة السعودية الخضراء” الطموحة، والتي تهدف إلى زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة والمساهمة في زراعة 40 مليار شجرة إضافية في الشرق الأوسط. إن حصر الغابات القائمة وتقييم حالتها وتحديد مواقعها بدقة هو الخطوة الأولى والضرورية لضمان نجاح خطط إعادة التأهيل والتشجير المستقبلية، وتحويل الصحاري إلى أراضٍ خضراء.
أهمية المشروع وتأثيره المتوقع
تكتسب هذه الموارد الطبيعية أهمية بيئية واقتصادية بالغة. فعلى الصعيد المحلي، تساهم الغابات في الحفاظ على التنوع الأحيائي الفريد في المملكة، وتنظيم الموارد المائية، وامتصاص الكربون، مما يقلل من آثار التغير المناخي. كما أنها تدعم الاقتصاد المحلي من خلال توفير منتجات غير خشبية مثل العسل والأعشاب الطبية، وتفتح آفاقاً واعدة لتنشيط السياحة البيئية التي تجذب الزوار الباحثين عن الطبيعة الخلابة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن نجاح المملكة في حماية وتنمية غطائها النباتي يعد نموذجاً يحتذى به في مكافحة التصحر، وهي ظاهرة تهدد أجزاء واسعة من المنطقة والعالم. كما تساهم هذه الجهود بشكل مباشر في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، خاصة الهدف 15 المتعلق بـ “الحياة في البر”.
بناء القدرات الوطنية وتطوير البنية التحتية
لم تقتصر إنجازات المشروع على الحصر والتوثيق، بل امتدت لتشمل بناء القدرات البشرية والمؤسسية. حيث تم تأهيل 175 موظفاً من الجهات المعنية عبر 10 دورات تدريبية متخصصة، شملت برامج عملية وزيارات ميدانية للاطلاع على أفضل الممارسات الدولية. وعلى الصعيد المؤسسي، تم تأسيس الإدارة العامة للغابات تحت مظلة المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي، وإطلاق أول قاعدة بيانات جغرافية وطنية لدعم اتخاذ القرارات المستندة إلى الأدلة. كما شملت الجهود الميدانية تقييماً دقيقاً لـ 18 موقعاً غابوياً متدهوراً تزيد مساحتها عن 20 ألف هكتار، تمهيداً لإعادة تأهيلها واستعادة نظمها البيئية الحيوية.
التحديات والرؤية المستقبلية
رغم هذه الإنجازات، أشار تقرير “الفاو” إلى وجود تحديات قائمة تتطلب تضافر الجهود، أبرزها محدودية البيانات، وضرورة تعزيز الحوكمة، ومواجهة المخاطر البيئية مثل حرائق الغابات وانتشار الأنواع النباتية الغازية وشح الموارد المائية. وتتجه البوصلة في المرحلة المقبلة نحو توسيع نطاق استعادة الأراضي المتدهورة، ودمج خطط إدارة الحرائق ضمن الاستراتيجيات الوطنية، وتعزيز البحث العلمي، وتمكين المجتمعات المحلية للمشاركة الفاعلة في إدارة الموارد الطبيعية، لضمان تحقيق توازن مستدام يخدم البيئة والاقتصاد والمجتمع.


