
تراجع الصفقات العقارية في السعودية 50%.. هل انتهى الازدهار؟
كشف تقرير حديث صادر عن شركة الاستشارات العقارية “نايت فرانك” عن تباطؤ حاد في نشاط سوق العقارات السكني، حيث شهدت الصفقات العقارية في السعودية انخفاضاً كبيراً خلال الربع الأول من عام 2024. يأتي هذا التراجع الملحوظ بعد سنوات من النمو المتسارع الذي شهده القطاع، مدفوعاً بمستهدفات رؤية المملكة 2030 لزيادة نسبة تملك المواطنين للمساكن، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل السوق في ظل المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية الحالية.
تفاصيل التراجع بالأرقام
أوضح التقرير أن حجم الصفقات العقارية السكنية انخفض بنسبة 50% على أساس سنوي ليصل إلى 29,490 صفقة فقط في الربع الأول من العام. ولم يقتصر التراجع على عدد الصفقات، بل امتد ليشمل قيمتها الإجمالية التي تراجعت بنسبة 57% لتبلغ 22 مليار ريال سعودي. وكان هذا التباطؤ أكثر وضوحاً في العاصمة الرياض، التي شهدت انخفاضاً في حجم وقيم الصفقات بنسبة 82% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. كما سجلت المدن الرئيسية الأخرى مثل جدة، ومنطقة الدمام الحضرية، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، نشاطاً أضعف خلال الفترة ذاتها.
تحليل أسباب تراجع الصفقات العقارية في السعودية
لم يأتِ هذا التباطؤ من فراغ، بل هو نتاج تضافر عدة عوامل محلية وعالمية. يعزو التقرير هذا الأداء بشكل أساسي إلى “تنامي ضغوط القدرة على تحمل تكاليف السكن”. فعلى مدار السنوات القليلة الماضية، أدت السياسات النقدية العالمية لمكافحة التضخم إلى قيام البنك المركزي السعودي (ساما)، وغيره من البنوك المركزية، برفع أسعار الفائدة بشكل متكرر. هذا الأمر أدى مباشرة إلى زيادة تكلفة التمويل العقاري، مما قلل من قدرة المشترين المحتملين على الحصول على قروض سكنية مناسبة. وبالنتيجة، شهد السوق تراجعاً ملحوظاً في الطلب على الرهون العقارية، التي تعد المحرك الرئيسي لسوق شراء الوحدات السكنية. إضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن “المعنويات السلبية الناتجة عن الصراع الإقليمي” ساهمت أيضاً في إضعاف الطلب، حيث يميل المستثمرون والمشترون إلى تأجيل القرارات المالية الكبرى في أوقات عدم اليقين.
مفارقة السوق: الأسعار ترتفع رغم هبوط الصفقات
على الرغم من الانخفاض الحاد في نشاط الصفقات، كشف التقرير عن مفارقة لافتة تمثلت في استمرار أسعار الوحدات السكنية في تسجيل ارتفاعات في معظم الأسواق الرئيسية. ففي الرياض، سجلت أسعار الشقق نمواً بنسبة 6.3% على أساس سنوي، بينما ارتفعت أسعار الفلل بنسبة 4.9%. وشهدت جدة ارتفاعاً في أسعار الشقق بنسبة 2%، ومنطقة الدمام الحضرية بنسبة 2.3%. وفسّر التقرير هذه الزيادات بأنها تعكس مرونة الأسعار خلال شهري يناير وفبراير، قبل أن يتزايد تأثير الضغوط الاقتصادية والصراع الإقليمي بشكل كامل، مؤكداً أن الأثر النهائي لهذه التطورات لم ينعكس بعد على بيانات الأسعار الإجمالية.
يمثل هذا الوضع تحدياً للسوق العقاري الذي يعد أحد أهم القطاعات غير النفطية الداعمة للاقتصاد السعودي وأحد ركائز رؤية 2030. وستكون الأشهر القادمة حاسمة لمراقبة ما إذا كان السوق سيتجه نحو تصحيح سعري أم أن الطلب سيتعافى مع أي متغيرات إيجابية محتملة.



