اقتصاد

إصلاحات قطاع المياه في المملكة ودورها في التنمية الزراعية

أكد خبراء ومتخصصون أن السياسات والإصلاحات التي تبنتها المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية نجحت في تحويل تحديات ندرة المياه إلى فرص تنموية واعدة، وذلك عبر منظومة متكاملة رفعت من كفاءة إدارة الموارد المائية وعززت الأمن الغذائي. وتُعد إصلاحات قطاع المياه في المملكة ركيزة أساسية في هذه المسيرة، حيث أسهمت في تحقيق نمو ملحوظ في الإنتاج الزراعي والغذائي مع ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية، مما يجسد نموذجًا فريدًا في المناطق الجافة.

جاء ذلك خلال الجلسة الحوارية “من المياه إلى الغذاء.. تحويل الندرة إلى أمن في الأراضي الجافة” التي عُقدت ضمن أعمال “أسبوع المياه السعودي 2026″، بمشاركة نخبة من المسؤولين والخبراء، منهم المشرف العام على أعمال وكالة وزارة البيئة والمياه والزراعة للزراعة المهندس عبدالله الحوتان، ومدير مركز “استدامة” الدكتور عبدالله الراجحي، ومدير عام مركز “أكساد” الدكتور نصر الدين العبيد، ومدير برنامج منظمة “الفاو” بالمملكة الدكتور نزار حداد.

من رؤية استراتيجية إلى واقع ملموس: رحلة التحول المائي

تاريخيًا، واجهت المملكة تحديًا كبيرًا يتمثل في موقعها الجغرافي ضمن أكثر مناطق العالم جفافًا، مع اعتمادها بشكل كبير على المياه الجوفية غير المتجددة لتلبية احتياجاتها المتزايدة. إلا أن انطلاق رؤية السعودية 2030 شكّل نقطة تحول استراتيجية، حيث وضعت الاستدامة البيئية وإدارة الموارد المائية على رأس أولوياتها. ومن رحم هذه الرؤية، وُلدت الاستراتيجية الوطنية للمياه التي أعادت هيكلة القطاع بالكامل، مستهدفة تنويع مصادر المياه عبر التوسع الهائل في مشاريع تحلية المياه المالحة، وزيادة القدرة على معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها في الأغراض الزراعية والصناعية، وهو ما خفف الضغط بشكل كبير على المصادر التقليدية.

تأثير إصلاحات قطاع المياه في المملكة على الأمن الغذائي

أوضح المشاركون أن المملكة اعتمدت نهجًا متكاملًا شمل تحديث التشريعات، وإعادة هيكلة التركيبة المحصولية، ورفع كفاءة أنظمة الري، والتوسع في استخدام التقنيات الزراعية الحديثة والمياه غير التقليدية. وأثمر هذا التحول عن نتائج مذهلة؛ فقد تجاوز إنتاج الخضروات 3.6 ملايين طن بنمو فاق 90% مقارنة بعام 2016، بينما قفز إنتاج الفاكهة إلى مليون طن بنسبة نمو 113%. كما ارتفع إنتاج اللحوم الحمراء إلى 293 ألف طن (بنسبة 148%)، وتجاوز إنتاج الدواجن 1.3 مليون طن (بنمو 74%). والأهم من ذلك، أن هذه القفزات الإنتاجية تحققت بالتوازي مع خفض استهلاك المياه في الزراعة من 16.6 مليار متر مكعب إلى 6.5 مليارات متر مكعب، بفضل قرارات استراتيجية مثل إيقاف زراعة الأعلاف الخضراء الشديدة الاستهلاك للمياه وتعويضها ببدائل مستدامة.

الابتكار التكنولوجي: المحرك الرئيسي للاستدامة

وشدد الخبراء على أن الابتكار يمثل المحرك الرئيس لمسيرة التحول، من خلال تطبيق تقنيات الري الذكي، والاستشعار عن بعد، وتحليل البيانات، والزراعة المحمية. هذه الأدوات المتطورة أسهمت في رفع كفاءة استخدام المياه، وتحسين الإنتاجية، وتقليل الفاقد، وتعزيز استدامة القطاع الزراعي. وأثبتت تجربة المملكة أن الأمن الغذائي لا يرتبط بوفرة المياه بقدر ما يرتبط بكفاءة إدارتها، وأن وجود رؤية استراتيجية واضحة، وسياسات متكاملة، والاستثمار في الابتكار، هي العوامل التي تصنع الفارق، وتقدم نموذجًا ملهمًا يمكن للدول ذات الظروف المناخية المماثلة الاستفادة منه لتحقيق أهدافها في التنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى