انتخابات مقديشو: خطوة نحو الاقتراع العام في الصومال

تشهد العاصمة الصومالية مقديشو تحولات سياسية جوهرية تتمثل في إجراء عمليات انتخابية تُعد بمثابة حجر الأساس لاستعادة نظام الاقتراع العام المباشر، في خطوة يصفها المراقبون بالتاريخية بعد عقود من الغياب. وتأتي هذه الخطوة لتمثل بارقة أمل جديدة نحو ترسيخ الديمقراطية وإنهاء الاعتماد على الأنظمة الانتقالية المعقدة التي حكمت المشهد السياسي لسنوات طويلة.
خلفية تاريخية: عقود من غياب الصوت الشعبي
لفهم أهمية هذا الحدث، يجب النظر إلى السياق التاريخي للصومال. لم تشهد البلاد انتخابات بنظام “صوت واحد لشخص واحد” (الاقتراع العام المباشر) منذ عام 1969، وهو العام الذي شهد الانقلاب العسكري الذي أوصل سياد بري إلى السلطة، تلاه اندلاع الحرب الأهلية في عام 1991 التي أدت إلى انهيار الدولة المركزية. طوال العقود الماضية، اعتمدت الصومال في تشكيل مؤسساتها على نظام المحاصصة العشائري المعروف بـ “4.5”، حيث يتم اختيار النواب والرئيس عبر توافقات قبلية ومندوبين، وليس عبر التصويت الشعبي المباشر، مما جعل القرار السياسي بعيداً عن إرادة المواطن العادي.
أهمية التحول الديمقراطي وتجاوز نظام المحاصصة
تكمن الأهمية القصوى لهذه الانتخابات في العاصمة في كونها تجربة عملية للانتقال من نظام المحاصصة القبلية، الذي طالما انتُقد لكونه يغذي الانقسامات ويعيق الكفاءة، إلى نظام ديمقراطي حديث يمنح الشرعية الحقيقية للمؤسسات الحكومية. إن نجاح هذه التجربة في مقديشو، بصفتها المركز السياسي والقلب النابض للبلاد، سيمهد الطريق لتطبيق النموذج في باقي الولايات الفيدرالية، مما يعزز من مفهوم المواطنة بدلاً من الانتماء القبلي.
التحديات الأمنية واللوجستية
لا يخلو هذا المسار من تحديات جسيمة، أبرزها الوضع الأمني. فإجراء انتخابات في العاصمة يتطلب تأميناً عالياً لمراكز الاقتراع وحماية للناخبين والمرشحين في ظل التهديدات المستمرة التي تشكلها حركة الشباب المتطرفة. لذا، فإن إتمام هذه العملية يُعد أيضاً رسالة قوية للداخل والخارج تثبت قدرة الأجهزة الأمنية الصومالية على فرض السيطرة وتوفير بيئة آمنة لممارسة الحقوق الدستورية.
Regional and international dimensions
على الصعيد الدولي، يحظى هذا التحول بدعم كبير من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين، الذين يرون في استعادة الاقتراع العام السبيل الوحيد لتحقيق استقرار مستدام في منطقة القرن الأفريقي. إن استقرار الصومال سياسياً عبر صناديق الاقتراع سينعكس إيجاباً على أمن المنطقة بأسرها، ويشجع الاستثمارات الأجنبية، ويعيد للصومال مكانته الدبلوماسية كدولة ذات سيادة ومؤسسات منتخبة شرعياً.



