
أزمة مضيق هرمز ترفع أسعار السكر العالمية لأعلى مستوى
مقدمة: صدمة جديدة في أسواق الغذاء
في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، شهدت أسعار السكر العالمية قفزة ملحوظة لتصل إلى أعلى مستوياتها خلال ستة أشهر. لم يكن هذا الارتفاع وليد الصدفة، بل جاء كنتيجة مباشرة للاضطرابات وحالة عدم اليقين التي تحيط بحركة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، إثر تصاعد التوترات الإقليمية والأحداث المرتبطة بإيران. هذا الممر المائي، الذي طالما عُرف بأهميته القصوى في تجارة الطاقة، يثبت اليوم أنه شريان حيوي لا غنى عنه لسلاسل إمداد الغذاء العالمية، وتحديداً تجارة السكر.
السياق التاريخي والأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز
تاريخياً، يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية وأكثرها حساسية في العالم. يربط المضيق بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب، ويمر من خلاله جزء كبير من التجارة العالمية. ورغم ارتباط اسمه غالباً بتصدير النفط والغاز، إلا أن الأزمة الحالية سلطت الضوء على دوره المحوري في نقل السلع الأساسية. تعتمد العديد من مصافي تكرير السكر الكبرى في منطقة الشرق الأوسط على هذا المسار لاستيراد السكر الخام وإعادة تصدير السكر الأبيض المكرر إلى الأسواق العالمية. وأي تعطل في هذا الشريان يعني شللاً شبه كامل لحركة الإمدادات، مما ينعكس فوراً على أسعار السكر العالمية.
تأثير الأزمة على العقود الآجلة والأسواق
بعد فترة من الركود الطويل التي شهدت تداول العقود الآجلة القياسية للسكر الأبيض في لندن عند مستويات منخفضة تقارب تلك التي سُجلت إبان جائحة كورونا – مدفوعة بوفرة المعروض وضعف الطلب – انقلبت الموازين تماماً. فمنذ اندلاع التوترات الأخيرة، أنهى العقد الأكثر تداولاً تداولاته الشهرية بمكاسب بلغت 11%، وهو أعلى مستوى مسجل منذ عام 2023. وبحسب المحلل المالي وخبير الأسواق كلاوديو كوفريغ، فإن الأعمال العدائية في المنطقة أثرت بشكل مباشر على نحو 6% من إجمالي تجارة السكر العالمية، مما خلق فجوة واضحة بين العرض والطلب.
البحث عن مسارات بديلة وتكلفة الأمان
أمام هذا الواقع المعقد، وجدت مصافي التكرير في الشرق الأوسط نفسها مضطرة للبحث عن حلول سريعة لتجنب توقف الإنتاج. وأصبحت العديد من هذه المصافي مستعدة لتحمل تكاليف شحن وتأمين أعلى بكثير من المعتاد، وذلك من خلال الاعتماد على موانئ بديلة تقع خارج المضيق، مثل ميناء الفجيرة وخورفكان في دولة الإمارات العربية المتحدة، وميناء صحار في سلطنة عُمان. هذه الموانئ توفر ملاذاً آمناً لتأمين المواد الخام، لكن التكلفة الإضافية تنعكس حتماً على السعر النهائي للمستهلك.
تحول بوصلة الاستيراد: الهند وتايلاند في الواجهة
مع تضييق الخناق على الإمدادات الشرق أوسطية، سارع التجار العالميون للبحث عن مصادر بديلة للسكر المكرر. هذا التحول أدى إلى انتعاش حاد في صادرات دول أخرى منتجة مثل الهند وتايلاند. فقد سجلت الطلبات الموجهة إلى الهند قفزة هائلة لتصل إلى 250 ألف طن منذ بداية الأزمة. وفي السياق ذاته، تسارعت الشحنات من تايلاند لتلبية احتياجات الدول المستهلكة؛ حيث أظهرت بيانات الشحن التي جمعتها مؤسسة كوفريغ أناليتيكس أن صادرات تايلاند إلى السودان – الذي يُعد من كبار المستهلكين – بلغت نحو 35,365 طناً من السكر حتى 25 مارس، مقارنة بـ 45 ألف طن في شهر فبراير بأكمله.
التوقعات المستقبلية: إلى أين تتجه الأسعار؟
تشير التوقعات الاقتصادية إلى أن تداعيات هذه الأزمة لن تنجلي في المدى القريب. ووفقاً لتصريحات أنكيت جاغتا، وهو تاجر سكر بارز مقيم في دبي، فمن المرجح أن تظل الواردات ضعيفة ومقيدة على الأقل حتى شهر يونيو القادم. وتزداد المخاوف من احتمالية تراجع إضافي في الإمدادات إذا ما استمرت الاضطرابات الجيوسياسية وامتدت إلى الربع الثالث من العام. هذا المشهد يضع الأمن الغذائي العالمي أمام تحدٍ جديد، ويؤكد على مدى هشاشة سلاسل الإمداد وارتباطها الوثيق بالاستقرار الأمني والسياسي في الممرات المائية الاستراتيجية.



