
نبض الثقافة في تعز: كيف تتحدى المدينة الحصار بالفن؟
على الرغم من سنوات الحصار الخانق الذي تفرضه جماعة الحوثي، يواصل نبض الثقافة في تعز الخفقان بقوة، مؤكداً أن روح المدينة العصية على الانكسار لا يمكن أن تخمدها أصوات المدافع أو ظروف الحرب القاسية. ففي شوارعها التي تحمل ندوب الصراع، تزدهر الفعاليات الفنية والأدبية لترسم لوحة فريدة من الصمود الإنساني، حيث يصبح الفن سلاحاً في وجه اليأس ورسالة حياة تتحدى الموت.
تعز.. تاريخ من الإبداع يواجه واقع الحصار
لطالما عُرفت تعز بأنها العاصمة الثقافية لليمن، مدينة أنجبت كبار الأدباء والمفكرين والفنانين، وكانت منارة للعلم والمعرفة عبر العصور. هذا الإرث الثقافي العميق لم يتلاشَ مع بدء الحرب الأهلية وفرض الحصار عليها منذ عام 2015. لقد حوّل هذا الحصار حياة الملايين إلى مأساة إنسانية، معوقاً وصول الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. لكن في قلب هذه المعاناة، تمسك أبناء تعز بهويتهم الثقافية كطوق نجاة، محولين المساحات العامة والمباني شبه المدمرة إلى مسارح وقاعات فنية ومعارض كتب، ليثبتوا أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده.
فعاليات فنية تحافظ على نبض الثقافة في تعز
تتخذ المقاومة الثقافية في تعز أشكالاً متعددة، فمن أمسيات الشعر التي تُعقد على ضوء الشموع، إلى المعارض الفنية التي تعرض لوحات تجسد ألم الحرب وأمل السلام، وصولاً إلى العروض المسرحية التي تناقش قضايا المجتمع بجرأة. ينظم الشباب والمثقفون هذه الفعاليات بمبادرات ذاتية وبإمكانيات محدودة، لكن بشغف لا حدود له. أصبحت هذه التجمعات متنفساً ضرورياً للسكان، تمنحهم فرصة للابتعاد مؤقتاً عن واقعهم المرير، وتجدد فيهم الأمل بغدٍ أفضل. إنها ليست مجرد أنشطة ترفيهية، بل هي فعل مقاومة سلمي يؤكد على التمسك بالحياة وقيم الجمال والإبداع في مواجهة ثقافة الموت والدمار.
رسالة صمود تتجاوز الحدود
إن استمرار النشاط الثقافي في تعز يحمل أهمية تتجاوز حدود المدينة المحاصرة. فعلى المستوى المحلي، يعزز هذا الحراك التماسك المجتمعي ويحافظ على الهوية اليمنية الأصيلة في وجه محاولات طمسها. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذه الفعاليات تسلط الضوء على الوجه الآخر لليمن، الوجه المشرق الذي يقاوم بالحرف واللون واللحن. إنها رسالة قوية للعالم بأن الشعب اليمني ليس مجرد أرقام في تقارير المساعدات الإنسانية، بل هو شعب حي، مبدع، ومتمسك بحقه في الحياة والثقافة والسلام. كل قصيدة تُلقى وكل لوحة تُرسم في تعز هي صرخة أمل تدوي في ضمير الإنسانية.



