اقتصاد

أمريكا تتجاوز الصين في استثمارات الطاقة الأحفورية بفضل الذكاء الاصطناعي

في تحول لافت يغير ملامح خريطة الطاقة العالمية، كشفت وكالة الطاقة الدولية عن توقعات تشير إلى أن استثمارات الطاقة الأحفورية في الولايات المتحدة ستتجاوز نظيرتها في الصين خلال العام الجاري، وذلك للمرة الأولى منذ عقود. ويأتي هذا التغير مدفوعًا بشكل أساسي بالطلب الهائل وغير المسبوق على الكهرباء لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي تشهد طفرة نمو هائلة.

ووفقًا لتقديرات حديثة صادرة عن الوكالة، اطلعت عليها صحيفة “فاينانشال تايمز”، من المتوقع أن تصل استثمارات الولايات المتحدة في محطات الكهرباء العاملة بالفحم والغاز إلى حوالي 50 مليار دولار هذا العام. وبهذا الرقم، تتجاوز أمريكا الصين التي ظلت لعقود طويلة المحرك الأكبر للاستثمار في البنية التحتية للطاقة عالميًا، بفارق يقدر بنحو 3 مليارات دولار.

ثورة الذكاء الاصطناعي: محرك جديد للطلب على الكهرباء

يعود هذا الارتفاع الكبير في قيمة الاستثمارات الأمريكية إلى عاملين رئيسيين: الزيادة الحادة في الطلب على توربينات الغاز، والارتفاع الكبير في أسعارها نتيجة تجاوز الطلب لقدرة المصنعين الإنتاجية. فخلال الربع الأول من العام فقط، طلبت الشركات في الولايات المتحدة توربينات غازية بقدرة إجمالية تقارب 20 جيجاواط، وهو رقم ضخم يعكس حجم الحاجة الملحة للطاقة. هذه الحاجة تأتي مباشرة من قطاع التكنولوجيا، حيث تتطلب عمليات تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة كميات هائلة من الطاقة المستقرة والموثوقة على مدار الساعة، وهو ما تجد الشركات ضالتها فيه حاليًا عبر محطات الغاز الطبيعي سريعة الإنشاء.

تحول تاريخي في خريطة استثمارات الطاقة الأحفورية العالمية

يمثل هذا التفوق الأمريكي نقطة تحول تاريخية. فلطالما كانت الصين القوة المهيمنة في بناء محطات الطاقة، سواء كانت تعمل بالفحم لتلبية احتياجاتها الصناعية الضخمة أو في مجال الطاقة المتجددة التي تقود فيها العالم. إلا أن سباق الذكاء الاصطناعي فرض معادلة جديدة، حيث أصبحت القدرة على توفير طاقة فورية ومستمرة ميزة تنافسية حاسمة. وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن معظم هذه التوربينات الجديدة مخصصة لتوليد الكهرباء بشكل مباشر داخل مواقع الشركات، بعيدًا عن شبكات الكهرباء العامة، لضمان إمدادات طاقة لا تنقطع لمراكز البيانات الحيوية.

تداعيات اقتصادية وبيئية واسعة النطاق

يحمل هذا التوجه تداعيات مهمة على الصعيدين الاقتصادي والبيئي. فعلى المستوى الاقتصادي، يعزز هذا الاستثمار من أمن الطاقة لقطاع التكنولوجيا الأمريكي ويمنحه ميزة في السباق العالمي للذكاء الاصطناعي. أما على الصعيد البيئي، فإنه يثير تساؤلات حول مدى توافق هذا التوسع في استخدام الوقود الأحفوري مع أهداف الولايات المتحدة المناخية طويلة الأمد للوصول إلى الحياد الكربوني. وبينما يُنظر إلى الغاز الطبيعي على أنه “وقود انتقالي” أقل تلويثًا من الفحم، فإن بناء بنية تحتية جديدة واسعة النطاق يعزز الاعتماد عليه لعقود قادمة، مما قد يبطئ من وتيرة التحول الكامل نحو مصادر الطاقة النظيفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى