أردوغان يعلن خطة إعمار سوريا ومصير قسد

في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم ملامح المشهد في الشمال السوري، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن إطلاق حملة واسعة لإعادة الإعمار في سوريا، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة حسم ملف قوات سوريا الديمقراطية «قسد» لضمان الاستقرار الإقليمي.
مشروع العودة الطوعية وإعادة الإعمار
تأتي تصريحات الرئيس التركي في سياق خطة أنقرة الطموحة لتشجيع العودة الطوعية للاجئين السوريين المقيمين على أراضيها، والذين يتجاوز عددهم 3.5 مليون لاجئ. وتتضمن حملة إعادة الإعمار إنشاء بنية تحتية متكاملة، تشمل بناء وحدات سكنية (منازل الطوب)، ومدارس، ومستشفيات، ومرافق خدمية في المناطق التي تسيطر عليها القوات التركية والفصائل الموالية لها في شمال سوريا، مثل جرابلس والباب وعفرين وإدلب.
وتسعى تركيا من خلال هذا المشروع إلى خلق «منطقة آمنة» مستقرة تسمح بعودة نحو مليون لاجئ سوري، مما يخفف الضغط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الداخلي في تركيا، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد الخطاب السياسي المتعلق بملف اللاجئين.
السياق الأمني وملف «قسد»
لم يقتصر حديث أردوغان على الجانب العمراني والإنساني فحسب، بل ركز بشكل كبير على الشق الأمني والسياسي، مشدداً على ضرورة التعامل مع ملف قوات سوريا الديمقراطية «قسد». وتعتبر أنقرة أن «قسد»، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري، هي امتداد لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف كمنظمة إرهابية في تركيا.
ويشير التشديد على «اندماج» أو حل معضلة قسد إلى رغبة تركية في إنهاء ما تصفه بـ «الممر الإرهابي» على حدودها الجنوبية. وتتزامن هذه التصريحات مع مساعٍ دبلوماسية إقليمية، تشمل محادثات التطبيع المحتملة مع النظام السوري برعاية روسية، حيث تشترط دمشق وأنقرة -رغم اختلاف دوافعهما- تقليص نفوذ الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.
الأبعاد الإقليمية والدولية
يحمل هذا الإعلان أبعاداً جيوسياسية هامة؛ فعلى الصعيد الدولي، يضع هذا التحرك تركيا في مواجهة دبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم «قسد» كشريك محلي في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). أما إقليمياً، فإن نجاح مشروع إعادة الإعمار قد يغير الديموغرافيا والجغرافيا السياسية للشمال السوري، مما يرسخ النفوذ التركي كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية نهائية للأزمة السورية.
إن الجمع بين «إعادة الإعمار» و«الملف الأمني» يعكس استراتيجية تركية متكاملة تهدف إلى تحويل المناطق الحدودية من مناطق صراع عسكري إلى مناطق نفوذ مستقرة، تضمن أمن تركيا القومي وتوفر حلاً مستداماً لأزمة اللجوء التي استمرت لأكثر من عقد من الزمان.


