مال و أعمال

القضاء الأوروبي يغرم شركات طيران 770 مليون يورو

أسدلت محكمة العدل الأوروبية، وهي أعلى هيئة قضائية في الاتحاد الأوروبي، الستار اليوم على واحدة من أطول النزاعات القانونية في قطاع الطيران العالمي، مؤيدةً بشكل نهائي فرض غرامات مالية ضخمة تجاوزت قيمتها الإجمالية 770 مليون يورو (ما يعادل 910 ملايين دولار) على تحالف من كبرى شركات الطيران العالمية.

ويأتي هذا الحكم الحاسم لينهي فصولاً من التقاضي استمرت لأكثر من عقد ونصف، حيث رفضت المحكمة 12 طعناً من أصل 13 تقدمت بها الشركات المدانة، مؤكدة بذلك صحة الإجراءات التي اتخذتها المفوضية الأوروبية لمكافحة الممارسات الاحتكارية الضارة بالمنافسة الحرة.

تفاصيل الحكم النهائي ورفض الطعون

بموجب الحكم الصادر من لوكسمبورغ، تم تثبيت العقوبات على عدد من عمالقة النقل الجوي، بما في ذلك شركات مثل "إير فرانس-كي إل إم"، و"الخطوط الجوية البريطانية"، و"إير كندا"، و"كارغولوكس"، و"الخطوط الجوية اليابانية"، وغيرها. وقد رأت المحكمة أن الأدلة المقدمة تثبت تورط هذه الشركات في تنسيق غير قانوني للأسعار.

وفي جزئية بسيطة من الحكم، قبل القضاة طعناً جزئياً يتعلق بأخطاء فنية في آلية احتساب الغرامة لإحدى الشركات، مما أدى إلى تخفيض طفيف في المبلغ المستحق عليها، إلا أن الجوهر القانوني للإدانة ظل ثابتاً وراسخاً لباقي أعضاء التكتل.

خلفية تاريخية: سنوات من التلاعب بالأسعار

تعود جذور هذه القضية الشائكة إلى الفترة الممتدة بين عامي 1999 و2006، حيث شكلت شركات الطيران المعنية ما يعرف بـ "كارتل" (تكتل احتكاري) للتحكم في أسعار الشحن الجوي عالمياً. وبدلاً من التنافس النزيه لتقديم أفضل الأسعار للعملاء، اتفقت هذه الشركات سراً على توحيد وتثبيت رسوم إضافية.

شمل هذا التوافق غير المشروع فرض رسوم موحدة لعلاوات الوقود التي ارتفعت بشكل ملحوظ في تلك الفترة، بالإضافة إلى رسوم الأمن التي تم فرضها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد الاتفاق ليشمل رفض دفع عمولات لوكلاء الشحن على هذه الرسوم الإضافية، مما أضر بمصالح الشاحنين والمستهلكين النهائيين على حد سواء.

مسار قانوني معقد ورسالة أوروبية صارمة

لم يكن الطريق للوصول إلى هذا الحكم سهلاً؛ فقد أصدرت المفوضية الأوروبية قرارها الأول بفرض الغرامات في عام 2010، إلا أن المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي ألغت ذلك القرار في عام 2015 لأسباب إجرائية تتعلق بصياغة القرار، وليس لعدم ثبوت التهمة.

وإصراراً منها على تطبيق قانون المنافسة، أعادت المفوضية صياغة القرار وتصحيح الإجراءات لتصدر حكماً منقحاً في عام 2017، وهو القرار الذي تم تأييده اليوم بشكل نهائي. ويُستثنى من هذه الغرامات عادةً الشركات التي تبادر بالإبلاغ عن المخالفة (نظام الإعفاء للمبلغين)، وهو الدور الذي لعبته شركة "لوفتهانزا" الألمانية والشركات التابعة لها في بداية التحقيقات، مما جنبها غرامات طائلة.

يُعد هذا الحكم رسالة قوية من الاتحاد الأوروبي لكافة القطاعات الاقتصادية، مفادها أن التلاعب بقواعد المنافسة الحرة لن يمر دون عقاب، مهما طال أمد التقاضي ومهما كان حجم الشركات المتورطة، وذلك حمايةً للسوق الأوروبية والمستهلكين من الممارسات الاحتكارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى