
ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا 30% وسط توترات الشرق الأوسط
قفزة تاريخية في أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا
شهدت أسواق الطاقة العالمية تطورات متسارعة وحادة، حيث قفزت أسعار عقود الغاز الطبيعي الآجلة في القارة الأوروبية بنسبة وصلت إلى 30% خلال 24 ساعة فقط. تأتي هذه الزيادة الكبيرة، التي تعد الأكبر من نوعها منذ ذروة أزمة الطاقة السابقة، في ظل استمرار وتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. وقد أدى هذا الصراع، الذي دخل يومه العاشر دون أي بوادر للتهدئة، إلى إرباك حسابات أسواق الطاقة العالمية وتعطيل حركة الشحن البحري وإمدادات الوقود الحيوية.
تداعيات إغلاق مضيق هرمز وارتفاع النفط
ترافق هذا الارتفاع الصاروخي في أسعار الغاز مع صعود موازٍ في أسواق النفط، حيث تخطت أسعار الخام القياسية حاجز 100 دولار للبرميل. ويعود هذا الارتفاع بشكل رئيسي إلى قيام عدد من كبار المنتجين في الشرق الأوسط بخفض معدلات الإنتاج، بالتزامن مع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية. ويعتبر مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج، مما يجعل أي تعطيل للملاحة فيه بمثابة صدمة مباشرة لسلاسل الإمداد العالمية.
السياق التاريخي وأزمة الطاقة الأوروبية
لفهم حساسية الموقف الأوروبي الحالي، يجب العودة إلى الخلفية التاريخية القريبة. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، سعت الدول الأوروبية جاهدة لفك ارتباطها بالغاز الروسي الذي كان يغذي القارة لعقود. واعتمدت أوروبا كبديل استراتيجي على شحنات الغاز الطبيعي المسال المستوردة عبر البحر من الولايات المتحدة والشرق الأوسط. هذا التحول جعل أمن الطاقة الأوروبي شديد التأثر بأي اضطرابات في الممرات الملاحية الدولية، وهو ما يفسر رد الفعل العنيف للأسواق بمجرد تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
وضع أوروبي هش ومنافسة شرسة مع آسيا
تواجه القارة الأوروبية حالياً وضعاً اقتصادياً ولوجستياً بالغ الهشاشة. فقد خرجت دول الاتحاد الأوروبي من فصل الشتاء بمستويات منخفضة نسبياً من مخزونات الغاز الطبيعي. هذا الواقع يفرض على الحكومات والشركات الأوروبية ضرورة الإسراع في شراء المزيد من شحنات الغاز الطبيعي المسال خلال أشهر الصيف لإعادة بناء المخزونات الاستراتيجية تحسباً للشتاء القادم.
المشكلة تكمن في أن أوروبا لن تكون المشتري الوحيد؛ بل ستجد نفسها في منافسة شرسة ومباشرة مع المشترين الآسيويين على كميات محدودة من الإمدادات العالمية. وإذا استمر تعطل التدفقات القادمة من الشرق الأوسط من الوصول إلى الأسواق العالمية، فإن حرب الأسعار بين أوروبا وآسيا ستشتعل، مما سيؤدي إلى مزيد من الارتفاع في التكاليف.
التأثيرات الاقتصادية والضغوط التضخمية
لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على القارة الأوروبية فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره. فقد أظهرت التقارير، بما فيها تلك الصادرة عن وكالة «بلومبيرغ»، أن العقود الآجلة للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة قد ارتفعت أيضاً إلى أعلى مستوياتها في شهر. هذا الارتفاع المتزامن في أسعار الطاقة يغذي الضغوط التضخمية العالمية، مما يعقد مهمة البنوك المركزية في السيطرة على التضخم، وقد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وزيادة تكاليف الإنتاج الصناعي وأعباء المعيشة على المواطنين.



