
أوروبا تسجل ثاني أدفأ شهر مارس: تأثير التغير المناخي
أوروبا تشهد ارتفاعاً تاريخياً في درجات الحرارة
في مؤشر جديد ومقلق على تسارع وتيرة التغير المناخي، أفادت خدمة ‘كوبيرنيكوس’ لتغير المناخ، التابعة للاتحاد الأوروبي، بأن شهر مارس الماضي قد سُجل كثاني أكثر شهور مارس دفئاً في القارة الأوروبية منذ بدء السجلات المناخية. هذا الارتفاع الملحوظ لم يقتصر على اليابسة فحسب، بل امتد ليشمل المحيطات، حيث سُجلت ثاني أعلى درجة حرارة لسطح البحر على المستوى العالمي خلال الشهر ذاته، مما ينذر بتداعيات بيئية خطيرة على النظم الحيوية البحرية والبرية.
السياق العالمي والخلفية التاريخية للاحترار
على الصعيد العالمي، احتل شهر مارس المرتبة الرابعة بين أكثر شهور مارس حرارة منذ بدء التسجيلات المناخية الموثوقة. وقد بلغ متوسط درجة الحرارة العالمية حوالي 13.94 درجة مئوية، وهو ما يمثل زيادة قدرها 1.48 درجة مئوية مقارنة بمتوسط درجات الحرارة في فترة ما قبل الثورة الصناعية (بين عامي 1850 و1900). وتكتسب هذه الأرقام أهمية تاريخية بالغة، حيث تقترب البشرية بشكل خطير من حاجز 1.5 درجة مئوية الذي حددته اتفاقية باريس للمناخ كحد أقصى لتجنب الكوارث المناخية التي لا يمكن عكسها. كما أن هذا المتوسط يزيد بمقدار 0.53 درجة مئوية عن متوسط شهر مارس خلال الفترة المرجعية الحديثة الممتدة من 1991 إلى 2020.
تأثير التغير المناخي على أوروبا: جفاف وفيضانات
شهدت القارة الأوروبية تبايناً مناخياً حاداً يعكس بوضوح اضطراب الأنظمة الجوية. فقد سجلت أوروبا ارتفاعاً استثنائياً في درجات الحرارة بمتوسط بلغ 5.88 درجات مئوية، أي أعلى بـ 2.27 درجة مقارنة بالفترة من 1991 إلى 2020. وفي حين عانت أجزاء واسعة من القارة من ظروف أكثر جفافاً من المعتاد، مما يهدد الأمن المائي والزراعي، تعرضت مناطق أخرى لتطرف مناخي معاكس. فقد تسببت الأمطار الغزيرة في حدوث فيضانات مدمرة في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط وشبه جزيرة إسكندنافيا، وهو ما يؤكد القاعدة العلمية التي تنص على أن الغلاف الجوي الأكثر دفئاً يحمل كميات أكبر من بخار الماء، مما يؤدي إلى هطول أمطار أكثر غزارة وتطرفاً.
ذوبان الجليد البحري وتداعياته الإقليمية والدولية
من أبرز المؤشرات الخطيرة التي رصدتها خدمة ‘كوبيرنيكوس’ هو التراجع الحاد في مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي. فقد سجل القطب الشمالي أدنى مستوى له على الإطلاق لمساحة الجليد خلال شهر مارس، حيث تراجعت بنسبة 5.7% عن المتوسط المعتاد. هذا التراجع لا يؤثر فقط على الدببة القطبية والنظم البيئية المحلية، بل يمتد تأثيره دولياً. فالجليد يعمل كمرآة تعكس أشعة الشمس؛ وبذوبانه، تمتص مياه المحيطات الداكنة المزيد من الحرارة، مما يسرع من وتيرة الاحترار العالمي ويؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحار، وهو ما يهدد المدن الساحلية حول العالم.
أهمية الحدث والتحذيرات المستقبلية
تؤكد هذه البيانات الصادرة عن مؤسسات علمية موثوقة أن اتجاه درجات الحرارة القصوى لا يزال متواصلاً بلا هوادة. إن تسجيل أرقام قياسية جديدة في معدلات الدفء يضع صناع القرار أمام مسؤولية تاريخية. يتطلب هذا الوضع تحركاً دولياً عاجلاً لتقليل الانبعاثات الكربونية، والتحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، وتعزيز استراتيجيات التكيف مع التغير المناخي للحد من الخسائر الاقتصادية والبشرية المتوقعة في السنوات القادمة.



