أزمة سائقي الشاحنات في أوروبا: 500 ألف وظيفة شاغرة وحلول عاجلة

تواجه القارة الأوروبية تحدياً اقتصادياً ولوجستياً غير مسبوق يهدد استقرار سلاسل التوريد، حيث كشفت المفوضية الأوروبية عن فجوة هائلة في سوق العمل بقطاع النقل البري. وفي هذا السياق، أصدرت المفوضية دراسة شاملة أعدها الاتحاد الدولي للنقل البري «IRU»، تسلط الضوء على الحاجة الماسة لاستقطاب ما يقرب من نصف مليون سائق للحافلات والشاحنات، مع طرح آليات جديدة لدمج الكفاءات من الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
خلفية الأزمة: شيخوخة مهنية وعزوف الشباب
لم تكن هذه الأزمة وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات ديموغرافية واقتصادية استمرت لسنوات. يعاني قطاع النقل في أوروبا من ظاهرة «شيخوخة القوى العاملة»، حيث يقترب قطاع كبير من السائقين الحاليين من سن التقاعد، في ظل عزوف ملحوظ من فئة الشباب عن الانخراط في هذه المهنة نظراً لطبيعتها الشاقة التي تتطلب الغياب الطويل عن المنزل وساعات العمل الممتدة. وتُقدر الفجوة الحالية بنحو 500 ألف وظيفة شاغرة، وهو رقم مرشح للتصاعد إذا لم يتم تدارك الموقف بحلول جذرية ومستدامة.
التأثير الاقتصادي ومخاطر سلاسل الإمداد
تكتسب هذه الأزمة أهمية قصوى نظراً للدور الحيوي الذي يلعبه النقل البري في الاقتصاد الأوروبي. فالشاحنات هي الشريان الرئيسي الذي يغذي الأسواق بالبضائع، والمصانع بالمواد الخام. أي تعطل أو نقص حاد في أعداد السائقين قد يؤدي إلى:
- ارتفاع تكاليف الشحن، مما ينعكس مباشرة على التضخم وأسعار السلع للمستهلك النهائي.
- تأخيرات في تسليم البضائع قد تضر بقطاعات حيوية مثل الأغذية والأدوية.
- تباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو نتيجة اختناقات سلاسل التوريد.
حلول عملية واستراتيجية الاستقدام
تقدم الدراسة التي اعتمدتها المفوضية تقييماً دقيقاً قائماً على البيانات للفجوات المتعلقة بالمؤهلات المهنية، والعقبات القانونية والإدارية التي يواجهها السائقون القادمون من دول ثالثة (من خارج الاتحاد). وتطرح الدراسة خارطة طريق تشمل:
تسهيل إجراءات الاعتراف برخص القيادة والمؤهلات المهنية للسائقين الأجانب، مع الحفاظ على معايير السلامة الأوروبية الصارمة. كما تستعرض الدراسة أفضل الممارسات المتبعة في عدد من دول الاتحاد التي نجحت جزئياً في دمج العمالة المهاجرة في هذا القطاع.
رؤية مستقبلية واشتراطات موحدة
وفي تعليقها على هذه التحركات، أكدت رالوكا ماريان، مديرة الاتحاد الدولي للنقل البري في الاتحاد الأوروبي، أن الحل لا يكمن في إجراء واحد فقط. وقالت: «حل أزمة نقص السائقين يتطلب رؤية واسعة وطويلة المدى. نعمل على جذب المزيد من النساء والشباب إلى هذه المهنة، مع ضمان حركة آمنة ومنظمة لسائقي الدول غير الأعضاء».
وأضافت ماريان نقطة جوهرية تتعلق بالتكامل بين الحلول المحلية والدولية قائلة: «يمكن لبرامج الاستقدام من دول ثالثة أن تكون جزءاً مكملاً للجهود المحلية، شرط أن تستند إلى مسارات واضحة، ومعايير عادلة، واشتراطات أوروبية موحدة. لا يوجد حل واحد، لكن بالجمع بين الإجراءات المناسبة يمكن بناء قوة عمل مرنة ومستدامة تحمي الاقتصاد الأوروبي من الهزات المستقبلية».



