فرنسا ترفض التدخل العسكري في إيران وتدعم الاحتجاجات

في توضيح صريح للسياسة الخارجية الفرنسية تجاه الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط، أكدت أليس روفو، الوزير المفوض للجيوش الفرنسية ومديرة العلاقات الدولية والاستراتيجية، أن خيار التدخل العسكري في إيران ليس مطروحاً على الطاولة بالنسبة لباريس، رغم التهديدات السابقة التي لوح بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
الموقف الفرنسي: الدبلوماسية ودعم الشعوب
أوضحت روفو، خلال استضافتها في برنامج "لوجران جوري" المشترك بين إذاعة RTL وصحيفة لوفيجارو، أن الاستراتيجية الفرنسية تعتمد على دعم تطلعات الشعب الإيراني في الحرية والكرامة دون الانجرار إلى مغامرات عسكرية قد تشعل المنطقة. وقالت: "التدخل العسكري ليس الخيار المفضل لدينا. الأمر متروك للشعب الإيراني وحده لتقرير مصيره والتخلص من النظام إذا أراد ذلك، وواجبنا هو الوقوف إلى جانبهم وتسليط الضوء على معاناتهم".
ويأتي هذا الموقف متسقاً مع السياسة الفرنسية التقليدية التي تميل إلى الحلول الدبلوماسية وتخشى من تكرار سيناريوهات الفوضى التي شهدتها دول أخرى في المنطقة عقب التدخلات العسكرية الخارجية. وترى باريس أن التغيير النابع من الداخل هو الأكثر استدامة وأماناً للأمن الإقليمي والدولي.
دلالات انضمام "البازار" للاحتجاجات
وفي تحليلها لطبيعة الحراك، أشارت المسؤولة الفرنسية إلى نقطة جوهرية تتعلق بانضمام "البازار" (تجار السوق التقليديين) إلى الاحتجاجات. تاريخياً، يُعد البازار في إيران عموداً فقرياً للاقتصاد وقوة سياسية مؤثرة ساهمت في نجاح ثورة 1979. وقالت روفو: "هذه حركة بدأت بخلفية اقتصادية وتكاليف المعيشة، لكنها نمت بشكل كبير لتتخذ أبعاداً سياسية تطالب بتغيير النظام".
التعتيم الإعلامي وحرب الأرقام
وأعربت باريس عن قلقها العميق إزاء صعوبة توثيق الانتهاكات بسبب الحجب غير المسبوق للإنترنت الذي فرضته السلطات الإيرانية لأكثر من أسبوعين. هذا التعتيم الرقمي يهدف، بحسب منظمات حقوقية، إلى إخفاء حجم القمع الدموي الذي تعرض له المتظاهرون.
وفي ظل هذا التعتيم، تضاربت الأرقام حول أعداد الضحايا بشكل كبير، مما يعكس حجم المأساة:
- الرواية الرسمية: أعلنت السلطات الإيرانية عن حصيلة بلغت 3117 قتيلاً، زاعمة أن غالبيتهم (2427) من قوات الأمن أو المارة، واصفة المتظاهرين بـ "مثيري الشغب".
- وكالة (هرانا): ذكرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، أنها وثقت مقتل 5002 شخص، بينهم 4714 متظاهراً، مع وجود تحقيقات جارية في آلاف الحالات الأخرى المحتملة.
- منظمة حقوق الإنسان في إيران: ومقرها النرويج، أكدت مقتل 3428 متظاهراً، معربة عن مخاوفها من أن الرقم الحقيقي قد يصل إلى مستويات كارثية تبلغ 25 ألفاً.
بين التهديد الأمريكي والواقع
على الصعيد الدولي، شكلت التصريحات الأمريكية عاملاً متذبذباً في الأزمة. فبينما هدد الرئيس ترامب مراراً بضربات عسكرية رداً على قمع الاحتجاجات، بدا مؤخراً أنه يتراجع عن هذا الخيار، مشيراً إلى أن الضغط الدولي قد دفع طهران لوقف بعض عمليات الإعدام. هذا التراجع يعزز الرؤية الأوروبية والفرنسية بأن الضغط السياسي والاقتصادي، مع دعم الحراك الشعبي إعلامياً وحقوقياً، قد يكون المسار الأكثر فاعلية في الوقت الراهن بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة.



