ضوابط الأوقاف الجديدة: منع غير المقيمين من النظارة والإفصاح المالي

في خطوة تنظيمية حاسمة تهدف إلى حوكمة القطاع غير الربحي وحماية الأصول الوقفية، أصدرت الهيئة العامة للأوقاف حزمة من المعايير التنظيمية الملزمة التي تركز على تحديد هوية “المستفيد الحقيقي” من الأوقاف. وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية شاملة لتعزيز الشفافية المالية في القطاع الوقفي، وتحصينه ضد أي مخاطر محتملة تتعلق بغسل الأموال أو تمويل الإرهاب، بما يتماشى مع التطورات التشريعية التي تشهدها المملكة العربية السعودية.
سياق تنظيمي يواكب رؤية المملكة 2030
تكتسب هذه القرارات أهمية خاصة في ظل الحراك الكبير الذي يشهده القطاع الثالث (القطاع غير الربحي) ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تسعى لرفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي. ولتحقيق ذلك، تعمل الجهات التنظيمية على سد أي ثغرات قد تستغل في التعاملات المالية، مما يجعل من حوكمة الأوقاف ضرورة ملحة لضمان استدامة أثرها التنموي والاجتماعي. وتعد هذه المعايير الجديدة نقلة نوعية في آليات الرقابة، حيث تنقل العمل الوقفي من الإدارة التقليدية إلى المؤسسية القائمة على الإفصاح والشفافية المطلقة.
حصر النظارة في المقيمين: سيادة القانون والرقابة
من أبرز ما تضمنته التنظيمات الجديدة، حظر إدارة الأوقاف السعودية بشكل قاطع من قبل أفراد غير سعوديين مقيمين إقامة دائمة خارج المملكة. واشترطت الهيئة أن تكون النظارة محصورة في نظار مقيمين داخل المملكة فقط. ويأتي هذا الشرط لضمان:
- القدرة على المتابعة المباشرة والرقابة الفعالة من قبل الجهات المختصة.
- ضمان الامتثال التام للأنظمة المحلية وتسهيل إجراءات المساءلة القانونية عند الحاجة.
- سرعة الاستجابة للمتطلبات التنظيمية والمالية التي تفرضها الهيئة.
الامتثال للمعايير الدولية (FATF)
اعتمد مجلس إدارة الهيئة هذه المعايير لتحقيق الامتثال الكامل لمتطلبات مجموعة العمل المالي «FATF»، وتحديداً التوصيات المتعلقة بالشفافية والترتيبات القانونية. ويهدف هذا الربط بالمعايير الدولية إلى تعزيز مكانة المملكة في المؤشرات العالمية للشفافية المالية، وضمان معرفة المستفيد الحقيقي من الأصول الوقفية بدقة متناهية، مما يقطع الطريق أمام أي محاولات لاستغلال الكيانات الوقفية كواجهة لعمليات مالية غير مشروعة.
تعريف المستفيد الحقيقي وسجلات الإفصاح
يُعرّف التنظيم الجديد “المستفيد الحقيقي” بأنه أي شخص طبيعي يمتلك أو يمارس سيطرة فعلية ونهائية على الوقف، سواء كان الواقف نفسه، أو الناظر، أو أي شخص يملك صلاحية اتخاذ القرارات النافذة. وفي هذا السياق، ألزمت المعايير نظار الأوقاف بإنشاء سجلات دقيقة ومحدثة تتضمن:
- الاسم الرباعي، والجنسية، وتاريخ ومكان الميلاد.
- عنوان الإقامة ورقم الهوية الوطنية أو الإقامة.
- البيانات المصرفية التفصيلية التي يتم من خلالها تحويل ريع الوقف.
كما يتوجب على الناظر، في حال كان المستفيد الحقيقي شخصاً اعتبارياً، الإفصاح عن سلسلة الملكية والسيطرة وصولاً إلى الشخص الطبيعي الذي يمارس السيطرة الفعلية.
التزامات صارمة ومساءلة قانونية
لضمان جدية التطبيق، فرضت الهيئة على النظار تحديث سجلات المعلومات خلال مدة أقصاها 15 يوماً عند طرأ أي تغيير، مع وجوب التحقق السنوي من دقة المعلومات. كما شددت المعايير على ضرورة احتفاظ الناظر بكافة السجلات والمستندات والبيانات المالية لمدة لا تقل عن عشر سنوات، وتسليم الأصول والمستندات للناظر الجديد فور انتهاء فترة نظارته. ويخضع المقصرون للمساءلة القانونية وفق جدول الجزاءات والمخالفات الصادر عن الهيئة، مما يؤكد عزم الهيئة على حماية الأصول الوقفية من أي استغلال غير مشروع.



