محادثات جنيف: ترتيبات أمريكية أوكرانية لمرحلة ما بعد الحرب

انطلقت في مدينة جنيف السويسرية، يوم الخميس، جولة جديدة من المحادثات الثنائية رفيعة المستوى بين وفدين من أوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وتأتي هذه الاجتماعات المكثفة في إطار التحضيرات الجارية لعقد مفاوضات ثلاثية مرتقبة تشمل الطرف الروسي، بهدف بحث سبل إنهاء الصراع الدائر ورسم ملامح الترتيبات الاقتصادية والأمنية لمرحلة ما بعد الحرب.
تفاصيل الاجتماع والتحضيرات الاقتصادية
أعلن وزير الدفاع الأوكراني ورئيس الوفد المفاوض، رستم عمروف، عبر منصة "إكس"، عن بدء الاجتماعات مع الجانب الأمريكي بحضور المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وتركزت النقاشات بشكل رئيسي على الجوانب الاقتصادية لإعادة الإعمار ومستقبل الاقتصاد الأوكراني بعد انتهاء العمليات العسكرية، بالإضافة إلى تنسيق المواقف السياسية استعداداً للجولة المقبلة من المفاوضات الثلاثية مع روسيا، والمقرر عقدها مطلع مارس المقبل.
وتكتسب مشاركة شخصيات مثل كوشنر وويتكوف أهمية خاصة، حيث تعكس توجه الإدارة الأمريكية الجديدة (إدارة ترامب) نحو إيجاد حلول عملية وسريعة للأزمة، مع التركيز على الصفقات الاقتصادية كجزء من الحل السياسي الشامل.
الموقف الروسي: لا مهل زمنية محددة
على الجانب الآخر، وفي خطوة متزامنة، أعلنت موسكو توجه مبعوثها الاقتصادي كيريل ديميترييف إلى جنيف لاستكمال النقاشات مع الجانب الأمريكي. ورغم الحراك الدبلوماسي، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده "ليست في عجلة من أمرها" للتوصل إلى اتفاق سلام، مشدداً على أن موسكو لا تضع مهلاً زمنية نهائية وتعمل وفقاً لأهدافها الاستراتيجية. وهو ما أكده أيضاً المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي أشار إلى أنه من السابق لأوانه الحديث عن مراحل محددة أو توقعات نهائية لمسار السلام.
الواقع الميداني وتبادل الرفات
تأتي هذه المحادثات في ظل استمرار التصعيد العسكري على الأرض، حيث تشن القوات الروسية هجمات ليلية مكثفة باستخدام مئات الطائرات المسيرة والصواريخ، مستهدفة البنى التحتية والمباني السكنية في عدة مناطق أوكرانية، مما أسفر عن إصابة العشرات وأضرار مادية جسيمة.
وفي سياق إنساني مرتبط بالمفاوضات، أعلنت موسكو عن تسليم كييف رفات ألف جندي أوكراني مقابل جثث 35 عسكرياً روسياً فقط. وتُعد عمليات التبادل هذه من النتائج الملموسة القليلة للمفاوضات الجارية، وتعكس في الوقت ذاته حجم الخسائر البشرية الهائلة التي خلفها الصراع المستمر منذ فبراير 2022.
خلفيات الصراع والعقبات الجيوسياسية
يواجه مسار السلام عقبات جوهرية، أبرزها الخلاف العميق حول مصير إقليم دونباس في شرق أوكرانيا. فبينما تصر موسكو على انسحاب القوات الأوكرانية من المناطق المتنازع عليها كشرط أساسي، ترفض كييف بشدة أي تنازلات تمس سيادتها على أراضيها. ويرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل المحادثات، أن الضغوط الغربية يجب أن توجه نحو "الطرف المعتدي" وليس الضحية.
وتشير التحليلات إلى أن هذه المفاوضات قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب حرب استنزاف طويلة الأمد قد تمتد لسنوات، خاصة مع تزايد التململ الأوروبي والأمريكي من التكلفة الاقتصادية العالية لدعم أوكرانيا، ورغبة المجتمع الدولي في استعادة الاستقرار الاقتصادي العالمي الذي تضرر بشدة جراء الحرب.



