اقتصاد

خسائر مستشفيات ألمانيا: 66% من القطاع يعاني أزمة مالية

كشفت بيانات حديثة صادرة عن الجمعية الألمانية للمستشفيات (DKG) عن وضع مالي حرج يهدد البنية التحتية للقطاع الصحي في أكبر اقتصاد أوروبي. فاستناداً إلى عينة موسعة من استطلاع للرأي أجراه المعهد الألماني لشؤون المستشفيات، أعلنت الجمعية أن 66% من المستشفيات في ألمانيا سجلت خسائر مالية فادحة خلال عام 2024. يأتي هذا الإعلان في وقت تطلق فيه المؤسسات الطبية تحذيرات متتالية من استمرار تفاقم الأزمات المالية التي قد تؤدي إلى موجة من الإفلاسات إذا لم تتدخل الدولة بشكل عاجل.

تهديد وجودي وتقييد للاستثمار

وفي تعليقه على هذه الأرقام المقلقة، صرح رئيس جمعية المستشفيات الألمانية، جيراد جاس، بلهجة تحذيرية: «عندما تسجل ثلثا المستشفيات خسائر، فإن ذلك لا يعد مجرد رقم إحصائي، بل هو تهديد وجودي لهذه المنشآت الحيوية». وأوضح جاس أن هذا العجز المالي يقيد بشكل كبير قدرات المستشفيات على القيام بالاستثمارات الضرورية، خاصة في مجالات التحديث التكنولوجي والرقمنة التي تعتبر عصب الطب الحديث.

وأضاف المسؤول الألماني أن إجراءات التقشف السياسية الحالية لم تأخذ في الحسبان التبعات طويلة المدى لهذا العجز، مؤكداً أن على الحكومة الاتحادية أن تتحمل مسؤولياتها وترسخ أخيراً قاعدة تمويل مستقرة وموثوقة تضمن استمرار تقديم الخدمات الطبية بالجودة المعهودة.

السياق الاقتصادي والضغوط المتزايدة

لفهم عمق الأزمة، يجب النظر إلى السياق الاقتصادي العام الذي يحيط بقطاع الصحة في ألمانيا. تعاني المستشفيات من «مقص الأسعار»، حيث ارتفعت تكاليف التشغيل بشكل جنوني نتيجة التضخم، وزيادة أسعار الطاقة، وارتفاع أجور الطواقم الطبية لسد النقص الحاد في العمالة الماهرة، بينما لم ترتفع المداخيل التي تتلقاها المستشفيات من شركات التأمين الصحي بنفس النسبة. هذا الاختلال الهيكلي في التمويل جعل من المستحيل على العديد من المستشفيات تغطية نفقاتها التشغيلية، ناهيك عن تحقيق أرباح للاستثمار.

حزمة تقشفية وتوقعات قاتمة

شارك في الاستطلاع الذي أجري بين مايو ويوليو 2025، نحو 376 مستشفى من أصل 1,700 مستشفى في ألمانيا، مما يعطي مؤشراً قوياً على الحالة العامة للقطاع. وتزيد القرارات السياسية من تعقيد المشهد، حيث كان البرلمان والمجلس الاتحادي قد أقرا قبيل عيد الميلاد حزمة تقشفية تهدف لتثبيت اشتراكات التأمين الصحي. وتنص هذه الحزمة على فرض قيود إنفاق صارمة على المستشفيات بقيمة 1.8 مليار يورو في عام 2026.

ومع ذلك، تبدو هذه الإجراءات منفصلة عن الواقع الميداني، فوفقاً لبيانات وزارة الصحة، من المتوقع أن ترتفع النفقات الإجمالية بنحو 8 مليارات يورو لتصل إلى 120 مليار يورو، مما يوسع الفجوة التمويلية بدلاً من ردمها.

نظرة مستقبلية مقلقة

تشير الإحصائيات إلى منحنى تصاعدي خطير للأزمة؛ ففي عام 2023 كانت نسبة المستشفيات الخاسرة قد بلغت 61%، وارتفعت إلى 66% في 2024. أما في العام الحالي، الذي يوشك على الانتهاء وفقاً لتوقيت الاستطلاع، فمن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 70% من إجمالي المستشفيات في ألمانيا. هذا التدهور المستمر يضع الحكومة الألمانية أمام اختبار صعب للموازنة بين الانضباط المالي والحفاظ على نظام رعاية صحية يعد من بين الأفضل في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى