
خسائر السندات العالمية تبلغ 2.5 تريليون دولار بسبب الركود
مقدمة: صدمة في الأسواق المالية
أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والمخاوف المتزايدة من شبح الركود التضخمي إلى توجيه ضربة قاسية للأسواق المالية، حيث سجلت خسائر السندات العالمية أرقاماً مفزعة تجاوزت حاجز الـ 2.5 تريليون دولار خلال شهر مارس الجاري. هذا التراجع الحاد أدى إلى انخفاض القيمة السوقية الإجمالية للسندات إلى 74.4 تريليون دولار، مما يعكس حالة من عدم اليقين تسيطر على المستثمرين في ظل التطورات الأخيرة المتعلقة بالصراع مع إيران وتأثيراته المباشرة على أسواق الطاقة العالمية.
تفاصيل التراجع في سوق السندات
وفقاً للبيانات والمؤشرات المالية الحديثة، لم يقتصر التراجع على قطاع واحد، بل شمل مختلف أنواع الديون. فقد تراجعت الديون الحكومية بنسبة 3.3%، في حين سجلت سندات الشركات انخفاضاً بنسبة 3.1%. وفي المقابل، شهدت عوائد السندات ارتفاعاً ملحوظاً في مناطق حيوية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وآسيا، وأستراليا. هذا الارتفاع في العوائد يأتي كاستجابة طبيعية لتوقعات الأسواق بقيام البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة في محاولة للسيطرة على معدلات التضخم المتصاعدة.
الركود التضخمي: الخطر الأكبر الذي يهدد الاقتصاد
يعتبر “الركود التضخمي” من أسوأ السيناريوهات الاقتصادية، حيث يجمع بين ارتفاع الأسعار (التضخم) وتباطؤ النمو الاقتصادي. وفي هذا السياق، صرحت كاثرين روني فيرا، مديرة إستراتيجيات الأسواق في إحدى الشركات المتخصصة، في مقابلة مع تلفزيون «بلومبيرغ»، بأن الأسواق بدأت فعلياً في تسعير موجة من الركود التضخمي التي ستتجلى بوضوح في المستقبل القريب. وأكدت أنه كلما طال أمد الصراع والتوترات، زادت احتمالية ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، مما يغذي التضخم بشكل مباشر ويضعف القوة الشرائية.
السياق الجيوسياسي وتأثير مضيق هرمز
تاريخياً، لطالما كانت أسواق الطاقة حساسة للغاية تجاه أي توترات في منطقة الشرق الأوسط. وقد تسارعت وتيرة بيع السندات مؤخراً بعد التصريحات المتبادلة والتهديدات. فقد هدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية ما لم تبقِ طهران على مضيق هرمز مفتوحاً. وردت إيران بتهديد صريح بإغلاق هذا الممر الملاحي الحيوي بالكامل. وتكمن أهمية مضيق هرمز في كونه يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يومياً، وأي إغلاق له سيعني صدمة هائلة في المعروض النفطي، مما سيؤدي إلى قفزة غير مسبوقة في أسعار الطاقة العالمية.
استجابة البنوك المركزية والسياسة النقدية
أمام هذه التحديات، تجد البنوك المركزية نفسها في موقف معقد. فقد أشار محللو بنك «بي إن بي باريبا» في مذكرة حديثة للعملاء إلى توقعات بأن يطرح مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خيار رفع أسعار الفائدة مجدداً خلال اجتماعات لجنة السياسة النقدية القادمة، خاصة إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع واستقرت معدلات البطالة. على الجانب الآخر، صرح يواكيم ناغل، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، بأن البنك قد يضطر إلى إعادة النظر في سياسته النقدية واللجوء إلى رفع أسعار الفائدة إذا تزايدت الضغوط السعرية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية.
مقارنة تاريخية وتداعيات إقليمية ودولية
إن الانخفاض الحالي في إجمالي القيمة السوقية للديون الحكومية والشركات إلى 74.4 تريليون دولار (مقارنة بنحو 77 تريليون دولار في نهاية فبراير)، يضع السوق على مسار تسجيل أكبر انخفاض له منذ سبتمبر 2022، حينما كان الاحتياطي الفيدرالي في ذروة دورة تشديد السياسة النقدية. إقليمياً ودولياً، يمتد التأثير ليشمل الأسواق الآسيوية، حيث ارتفعت عوائد السندات في الهند واليابان وكوريا الجنوبية. كما صعدت عوائد السندات الأسترالية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2011، وبلغت نظيرتها في نيوزيلندا أعلى مستوياتها منذ مايو 2024، مما يؤكد أن الأزمة الحالية تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي بأسره.



