اقتصاد

الديون العالمية تسجل مستويات قياسية: مخاطر وتوقعات 2024

كشفت تقارير اقتصادية حديثة، استناداً إلى بيانات نشرتها صحيفة "فايننشال تايمز"، أن الديون العالمية للدول قد ارتفعت إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، حيث باتت وتيرة نمو الديون تتسارع بشكل يفوق نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي. هذا التباين المقلق يثير مخاوف جدية لدى المؤسسات المالية الدولية حول استدامة المالية العامة للحكومات وقدرتها على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية طويلة الأمد.

أزمة الديون الأمريكية والأوروبية: أرقام تدق ناقوس الخطر

في الولايات المتحدة، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، اقترب الدين الحكومي الفيدرالي من حاجز 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى نفسي واقتصادي حرج. والأخطر من ذلك، أن إجمالي الدين الوطني (بما يشمل ديون الولايات) قد تجاوز بالفعل نسبة 110%. وتشير التوقعات التشاؤمية إلى أن هذا الرقم قد يقفز ليصل إلى 156% بحلول عام 2055 إذا استمرت السياسات المالية ومستويات الإنفاق الحالية دون إصلاحات جذرية.

ولا يبدو الوضع في القارة العجوز أفضل حالاً؛ إذ تواجه الدول الأوروبية تحديات مماثلة، حيث من المتوقع أن تتضاعف أعباء الديون خلال الخمسة عشر عاماً المقبلة ما لم يتم كبح جماح الإنفاق العام. هذا المسار التصاعدي يهدد بخنق النمو الاقتصادي في منطقة اليورو ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يقلل من الهوامش المالية المتاحة للاستثمار في البنية التحتية والخدمات.

دروس من التاريخ: لماذا يختلف الوضع الحالي عن ما بعد الحرب العالمية؟

أشار التقرير إلى التجربة التاريخية للمملكة المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث نجحت بريطانيا في خفض ديونها الهائلة من 250% إلى 42% من الناتج المحلي الإجمالي على مدار ثلاثة عقود. في تلك الحقبة، لعب التضخم دوراً مساعداً في تآكل القيمة الحقيقية للديون.

ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن الظروف الاقتصادية الحالية مختلفة تماماً. ففي حين سمحت السياسات السابقة بتسييل الديون، تخوض البنوك المركزية اليوم (مثل الفيدرالي الأمريكي والمركزي الأوروبي) حرباً شرسة ضد التضخم عبر رفع أسعار الفائدة، مما يجعل خدمة الدين أكثر تكلفة ويمنع الحكومات من الاعتماد على التضخم كوسيلة سهلة لخفض أعباء الديون.

تحديات جيوسياسية وديموغرافية تفاقم الأزمة

تزيد التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي من تعقيد المشهد؛ حيث تفرض شيخوخة السكان في الدول المتقدمة ضغوطاً هائلة على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية. بالتزامن مع ذلك، أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في عدة مناطق حول العالم إلى زيادة غير مسبوقة في ميزانيات الدفاع والتسلح، مما يضيف أعباءً جديدة على الموازنات العامة المنهكة أصلاً.

وفي ظل هذه المعطيات، تشير توقعات "دويتشه بنك" إلى نمو منخفض للإنتاجية العالمية بنسبة تقدر بـ 0.7% فقط، وهو معدل يعتبر غير كافٍ لمواجهة تزايد الديون وخدمة فوائدها المتراكمة. وتطرح هذه الأوضاع تساؤلات وجودية حول قدرة الحكومات على الوفاء بالتزاماتها المالية المستقبلية دون اللجوء إلى إجراءات تقشفية قاسية أو ضرائب مرتفعة، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار صعب في السنوات القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى