
أزمة الأسمدة العالمية والأمن الغذائي بسبب توترات الشرق الأوسط
مقدمة: شبح أزمة غذاء عالمية يلوح في الأفق
يحذر خبراء ومحللون اقتصاديون من تداعيات خطيرة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي دخلت أسبوعها الثالث، حيث أحدثت اضطراباً حاداً وغير مسبوق في سوق الأسمدة العالمية. هذا الصراع المتصاعد يضع الأمن الغذائي العالمي، وخاصة في الدول النامية، على المحك في المدى القريب، وذلك وفقاً لتقارير اقتصادية موثوقة تسلط الضوء على أزمة سلاسل التوريد.
السياق التاريخي والأهمية الاستراتيجية للمنطقة
تاريخياً، يُعد الشرق الأوسط الشريان الرئيسي للطاقة وصناعة البتروكيماويات في العالم. وتعتمد صناعة الأسمدة النيتروجينية بشكل أساسي على الغاز الطبيعي كمادة خام. وقد أثبتت الأزمات السابقة، مثل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، مدى هشاشة سلاسل الإمداد الغذائي وارتباطها الوثيق بأسعار الطاقة والأسمدة. واليوم، يعبر نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. وقد أدى الإغلاق شبه الكامل للمضيق، بالتزامن مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة في مناطق متفرقة من الخليج، إلى إجبار منشآت طاقة حيوية على وقف الإنتاج، مما خلق تأثيراً متسلسلاً ضرب قطاع الزراعة العالمي.
تداعيات الصراع على الإنتاج المحلي والإقليمي
نتيجة لهذه التوترات الجيوسياسية، أُغلقت مصانع أسمدة كبرى في منطقة الخليج وخارجها في توقيت حرج للغاية، حيث يستعد المزارعون في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت زراعي صارم لا يترك مجالاً للتأخير. على الصعيد الإقليمي، أوقفت شركة “قطر للطاقة” الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم بعد تعليق إنتاج الغاز إثر هجمات استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها. وفي مصر، التي توفر 8% من اليوريا المتداولة عالمياً، تواجه البلاد صعوبات بالغة في إنتاج الأسمدة النيتروجينية بعد إعلان إسرائيل حالة “القوة القاهرة” على صادرات الغاز إليها.
التأثير الدولي واضطراب سلاسل التوريد
لم يقتصر التأثير على الشرق الأوسط، بل امتد ليضرب أسواقاً عالمية كبرى. في الهند، التي تُعد من أكبر أسواق اليوريا عالمياً وتضم نحو خُمس سكان العالم، تم خفض الإنتاج في 3 مصانع رئيسية بسبب تراجع إمدادات الغاز القطري. وتعتمد الهند على الشرق الأوسط لتأمين أكثر من 40% من احتياجاتها من اليوريا والأسمدة الفوسفاتية، وقد تواجه تأخيرات في استلام شحنة ضخمة تبلغ 1.3 مليون طن من اليوريا. وفي بنغلاديش، تم إغلاق 4 من أصل 5 مصانع للأسمدة. أما البرازيل، التي تعتمد بنسبة تقارب 100% على واردات اليوريا (نصفها يمر عبر مضيق هرمز)، فتواجه خطراً داهماً. وفي الولايات المتحدة، أبلغ المزارعون عن نقص يُقدّر بنحو 25% في إمدادات الأسمدة، مع خلو رفوف المتاجر تقريباً.
قفزات جنونية في الأسعار وتوقعات قاتمة
على صعيد الأسعار وحركة التجارة، توقع “سكوشا بنك” انخفاض صادرات اليوريا العالمية إلى نحو 1.5 مليون طن في شهر مارس، مقارنة بـ 3.5 مليون طن (بدون إمدادات الصين) أو 5 ملايين طن (مع الصين) في الظروف الطبيعية. وأظهرت بيانات “أرجوس” أن أسعار تصدير اليوريا في الشرق الأوسط قفزت بنسبة 40% لتتجاوز 700 دولار للطن، مقارنة بأقل من 500 دولار قبل الحرب. وفي أمريكا، ارتفعت الأسعار بنسبة 32%. ويرى محللون أن أسعار الأسمدة النيتروجينية قد تتضاعف إذا استمرت الحرب، خاصة مع تعطل إمدادات روسيا (أكبر مصدر للأسمدة عالمياً) بسبب هجمات المسيرات الأوكرانية، والقيود التي تفرضها الصين على صادراتها.
الخلاصة: الأمن الغذائي في خطر
تؤكد مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في “أرجوس”، أن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة. هذا يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات كارثية وواسعة النطاق على توافر الغذاء العالمي وأسعاره، خاصة في الدول النامية التي تمثل فيها الأسمدة ما يصل إلى 50% من تكلفة إنتاج الحبوب، مما ينذر بموجة تضخم غذائي قد ترهق الاقتصادات الضعيفة.



