مراصد رؤية الأهلة في السعودية: تاريخ عريق وتقنيات حديثة

تحظى عملية رؤية الأهلة في المملكة العربية السعودية باهتمام إسلامي وعالمي واسع، كونها الدولة التي تحتضن الحرمين الشريفين، وتعتمد عليها الأمة الإسلامية في تحديد مواقيت الشعائر الدينية الكبرى، مثل دخول شهر رمضان المبارك، وعيدي الفطر والأضحى، وموسم الحج. هذه العملية ليست مجرد إجراء روتيني، بل هي منظومة متكاملة تمزج بين الإرث الشرعي التاريخي والتقنيات الفلكية الحديثة لضمان أدق النتائج.
الجذور التاريخية للرصد الفلكي
لم تكن المملكة حديثة العهد بعلم الفلك والرصد، بل يمتد هذا الاهتمام إلى عقود طويلة. شهدت مكة المكرمة إنشاء أول مرصد فلكي في عام 1948م على قمة جبل أبي قبيس التاريخي في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه-، ليكون نواة لضبط المواقيت. ومع التطور العمراني، انتقلت مهام هذا المرصد وتطورت لتصل اليوم إلى قمة "برج الساعة" في مكة، الذي يضم واحداً من أدق مراكز الرصد في العالم.
وفي عام 1957م، تم تأسيس مرصد المدينة المنورة العالمي، ليتبع ذلك توسع كبير شمل إنشاء مراصد علمية في الجامعات السعودية، مثل مرصد جامعة الملك عبدالعزيز عام 1975م، ومرصد جامعة الملك سعود عام 1984م، مما عزز من الدقة العلمية في تحري الهلال.
أشهر مواقع الترائي: سدير وتمير
تتميز جغرافية المملكة بتنوع تضاريسها، مما أفرز مواقع استراتيجية اشتهرت بكونها منصات مثالية للرصد بسبب صفاء أجوائها وارتفاعها عن سطح البحر. وتأتي في مقدمة هذه المواقع سدير وتمير، اللتان تحولتا إلى أيقونات سنوية يترقب المسلمون أخبارها. كما تشارك مناطق أخرى بفاعلية في هذه المنظومة، مثل الرياض، والمدينة المنورة، والقصيم، والظهران، وشقراء، وحائل، وتبوك، حيث تتوزع لجان الترائي لتغطية مختلف الآفاق.
آلية المحكمة العليا والمعايير الطبية
تتم عملية الرصد تحت مظلة المحكمة العليا، التي تضمن موثوقية النتائج عبر معايير صارمة. لا يُقبل الترائي إلا ممن يمتلكون حدة بصر استثنائية، حيث يخضع المترائون لفحوصات طبية دقيقة واختبارات عملية طويلة للتأكد من قدرتهم على تمييز الهلال. وتعمل اللجان الميدانية بإشراف مباشر من وزارة العدل وبالتعاون مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، لضمان تكامل الرؤية الشرعية مع الحسابات الفلكية.
التقنية الحديثة في خدمة الرؤية الشرعية
في ظل الثورة التقنية، لم يعد الرصد يعتمد على العين المجردة فحسب، بل دخلت التلسكوبات المتطورة والمناظير الإلكترونية كعناصر أساسية في العملية. يستخدم الفلكيون اليوم الحسابات الدقيقة لتحديد إحداثيات القمر، وزوايا انحرافه عن الشمس، ومواعيد الغروب بدقة متناهية، مما يقلل من نسبة الخطأ البشري ويعزز من يقين الرؤية. ويُعد مركز برج الساعة في مكة المكرمة اليوم نموذجاً عالمياً، حيث يضم شبكة مناظير متطورة تساهم في رصد الأهلة ليس فقط للمملكة، بل كمرجع لعدة دول إسلامية.
إن هذا التكامل بين الرؤية الشرعية والعلم الحديث يعكس حرص المملكة على أداء هذه الأمانة بمسؤولية عالية، لما يترتب عليها من عبادات ومناسك تهم أكثر من ملياري مسلم حول العالم.


