
الألغام الحوثية: مأساة الأطفال في اليمن وتهديد مستمر
تستمر المأساة الإنسانية في اليمن في اتخاذ أبعاد أكثر قتامة، حيث تشكل الألغام الحوثية تهديداً يومياً يحصد أرواح الأبرياء، ويترك الأطفال على وجه الخصوص ضحايا رئيسيين لهذا الإرث المميت. ففي كل يوم، تتحول حقول كانت يوماً ما مصدراً للرزق، ومناطق كانت مساحات للعب، إلى حقول موت تتربص بالمدنيين، وتعمّق جراح بلد أنهكته سنوات طويلة من الصراع الدامي.
إرث مميت تحت الأرض: جذور المأساة
تعود جذور هذه الكارثة إلى بداية النزاع في اليمن، الذي اندلع بشكل واسع في عام 2014. مع اشتداد المعارك، لجأت ميليشيات الحوثي إلى زراعة الألغام الأرضية بشكل عشوائي ومكثف كأداة حربية، بهدف إعاقة تقدم القوات المناوئة لها وتأمين المناطق التي تسيطر عليها. لكن هذه الاستراتيجية لم تفرق بين مقاتل ومدني، حيث تم زرع مئات الآلاف من الألغام، بما في ذلك ألغام مضادة للأفراد وأخرى مضادة للمركبات، في المناطق الزراعية، والطرق الرئيسية، وحتى بالقرب من المدارس والمصادر المائية. هذا الاستخدام العشوائي حوّل مساحات شاسعة من الأراضي اليمنية إلى مناطق محظورة، مما خلق تهديداً طويل الأمد سيستمر لعقود حتى بعد انتهاء الصراع.
تأثير الألغام الحوثية على المدنيين ومستقبل اليمن
إن التأثير المباشر لهذه الأسلحة الفتاكة يتجاوز مجرد أعداد الضحايا. على المستوى المحلي، تدفع العائلات ثمناً باهظاً؛ فالأطفال، بطبيعتهم الفضولية وحبهم للعب في الأماكن المفتوحة، هم الأكثر عرضة لخطر هذه الألغام. الناجون منهم غالباً ما يعانون من بتر في الأطراف وإعاقات دائمة، بالإضافة إلى صدمات نفسية عميقة. كما أن المزارعين والرعاة يفقدون مصدر رزقهم، حيث يخشون العمل في أراضيهم التي قد تكون ملغومة. أما على المستوى الوطني، فإن هذه الألغام تشكل عائقاً كبيراً أمام عودة النازحين إلى ديارهم، وتعرقل جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتزيد من تفاقم الأزمة الغذائية في بلد يعاني بالفعل من أسوأ أزمة إنسانية في العالم. إنها سلاح لا يقتل في الحاضر فحسب، بل يغتال مستقبل الأجيال القادمة.
جهود دولية في مواجهة خطر كامن
في مواجهة هذا الخطر الداهم، تبذل منظمات دولية ومحلية جهوداً حثيثة لنزع الألغام وتطهير الأراضي اليمنية. برامج مثل المشروع السعودي “مسام” لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام، إلى جانب جهود أخرى تدعمها الأمم المتحدة، تعمل على مدار الساعة لإزالة هذه العبوات الناسفة. ومع ذلك، تظل المهمة شاقة وخطيرة للغاية، نظراً لغياب الخرائط الدقيقة لمناطق زراعة الألغام، وتطوير الحوثيين لألغام مموهة ومحلية الصنع يصعب اكتشافها. وتستمر الدعوات الدولية الموجهة لميليشيات الحوثي بضرورة التوقف الفوري عن استخدام هذا السلاح المحرم دولياً، وتسليم خرائط الألغام لتسهيل عمليات التطهير وحماية أرواح المدنيين الأبرياء.



